خبراء يربطون الأزمة بسوء الإدارة وتوجيه الموارد لمشروعات غير إنتاجية
في وقت تعلن فيه حكومة المنقلب السيسي، عزمها سداد نحو 1.3 مليار دولار من مستحقات شركات النفط الأجنبية بحلول يونيو، تتصاعد تساؤلات حادة حول أسباب تراكم هذه الديون، رغم الزيادات الكبيرة التي فرضتها السلطة على أسعار الكهرباء والغاز خلال السنوات الأخيرة، والتي وصلت في بعض الشرائح إلى نحو 300% مقارنة بمستويات ما قبل 2014.
وتكشف بيانات وزارة البترول أن متأخرات الشركات الأجنبية بلغت نحو 6.1 مليارات دولار حتى منتصف 2024، في مؤشر يعكس خللاً هيكلياً في إدارة ملف الطاقة، وليس مجرد أزمة طارئة مرتبطة بارتفاع الأسعار العالمية أو نقص العملة الأجنبية.
فجوة بين الإيرادات والمصروفات
رغم التبريرات الحكومية التي تُرجع الأزمة إلى ارتفاع تكلفة الاستيراد بعد الحرب في الشرق الأوسط، فإن مراقبين يرون أن هذه العوامل لا تفسر بالكامل استمرار العجز في سداد المستحقات، خاصة مع تحميل المواطنين أعباء متزايدة عبر رفع أسعار الوقود والكهرباء بشكل متكرر.
فالحكومة أقرت بأن فاتورة استيراد الغاز وحدها قفزت من نحو 560 مليون دولار شهرياً إلى 1.65 مليار دولار لنفس الكميات، كما ارتفعت أسعار النفط والديزل بشكل كبير، ما زاد الضغط على الموازنة، لكن في المقابل، لم ينعكس ذلك على انتظام السداد، بل عادت المتأخرات للتراكم وفق تقارير شركات عاملة في القطاع.
أين تذهب حصيلة الزيادات؟
السؤال الأكثر إلحاحاً يتعلق بمصير الإيرادات الإضافية الناتجة عن رفع أسعار الطاقة محلياً، فبدلاً من توجيه هذه الموارد لسداد الالتزامات وتحقيق استقرار في قطاع الطاقة، تشير تقديرات اقتصادية إلى أن جزءاً كبيراً منها يُعاد توجيهه نحو مشروعات كبرى ذات عائد اقتصادي بطيء أو غير مباشر، مثل العاصمة الإدارية الجديدة وشبكات الطرق الواسعة.
ويرى محللون أن هذا التوجه يفاقم أزمة السيولة، إذ يتم استنزاف النقد الأجنبي في مشروعات تحتاج سنوات طويلة لتحقيق عوائد، بينما تتراكم التزامات عاجلة مثل مستحقات شركات الطاقة، ما يضعف ثقة المستثمرين ويؤثر على الإنتاج المحلي.
تراجع الإنتاج وزيادة الاعتماد على الاستيراد
الأزمة لا تقف عند حدود الديون، بل تمتد إلى تراجع الإنتاج المحلي من الغاز منذ ذروته في 2021، وهو ما أجبر مصر على زيادة وارداتها بشكل ملحوظ، ويؤدي هذا الاعتماد المتزايد على الخارج إلى مضاعفة الضغط على العملة الأجنبية، وبالتالي تأخير سداد المستحقات.
ورغم إعلان الحكومة خطة طموحة لحفر أكثر من 480 بئراً خلال خمس سنوات، فإن نتائج هذه الخطط لم تظهر بعد بشكل كافٍ لتعويض التراجع الحالي، ما يبقي الأزمة قائمة.
حلقة مفرغة من الديون
اقتصادياً، تدخل مصر في حلقة مفرغة:
* ارتفاع الأسعار العالمية → زيادة فاتورة الاستيراد
* نقص العملة الأجنبية → تأخر السداد
* تأخر السداد → تراجع استثمارات الشركات الأجنبية
* تراجع الاستثمار → انخفاض الإنتاج → زيادة الاستيراد مجدداً
هذه الدائرة تعمّق الأزمة، بينما يتحمل المواطن العبء الأكبر عبر زيادات الأسعار وتقليص الاستهلاك، في وقت تتجه فيه الحكومة لإجراءات تقشفية إضافية مثل تقليل ساعات عمل المحال ودراسة العمل عن بعد لتقليل استهلاك الطاقة.
مقارنة تثير الجدل
ويستحضر منتقدون مقارنة بين الوضع الحالي وفترة حكم الرئيس الراحل محمد مرسي، حيث كانت أسعار الطاقة أقل بكثير، ولم تصل أزمة المتأخرات إلى هذا الحجم، ما يثير تساؤلات حول كفاءة إدارة الموارد في المرحلة الحالية.
ضغوط الديون تلتهم الموازنة
في سياق متصل، تشير بيانات مالية إلى أن مدفوعات الفوائد تستحوذ على نحو نصف الإنفاق الحكومي، ما يحدّ من قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها، بما فيها مستحقات قطاع الطاقة، ويجعل أي صدمة خارجية – مثل ارتفاع الأسعار العالمية – كفيلة بتعميق الأزمة.
في المحصلة، لا تبدو أزمة سداد مستحقات شركات الطاقة مجرد نتيجة لارتفاع الأسعار العالمية، بل تعكس اختلالات أعمق في أولويات الإنفاق وإدارة الموارد، وسط تساؤلات مستمرة: هل تكفي زيادات الأسعار وحدها لإنقاذ القطاع، أم أن المشكلة في كيفية توجيه هذه الإيرادات؟