عندما نوى صدام حسين بناء مفاعل نووي عراقي، لم يشهد المجتمع الدولي استنفاراً دبلوماسياً في جنيف أوفيينا أو أنقرة أو مسقط أوغيرها، كما هي الحال في الملف النووي الإيراني، وحدها الطائرات الإسرائيلة استنفرت محركاتها لتقصف مفاعل “تموز” العراقي وهو لايزال قيد الإنشاء.

وشنت إسرائيل فجر اليوم الخميس قصفًا صاروخيًا مكثفًا على عدة مواقع عسكرية في سوريا، مما أدى إلى تدمير مخزن للذخيرة وبعض الرادارات، بينما أعلن الجيش الإسرائيلي أن قواته في الجولان المحتل تعرضت لقصف إيراني.

وبعد مرور أكثر من خمسة وثلاثين عاماً من الوعيد والتهديدات المتبادلة بين إيران من جهة وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى، إلا أنها بقيت حبيسة الشعارات وحناجر الهتافات، فيما لم يكن التنفيذ إلا من خلال ضرب كل الأطراف لعدد من الدول العربية، ليأتي فيه الوقت الذي تتخلى فيه “طهران وتل أبيب وواشنطن” ليس فقط عن التهديدات العسكرية المباشرة ، بل وحتى عن شعاراتها العدائية المتبادلة.

من جهته علق الشاعر عبد الشريف، الشهير بالشاب أشرف بالقول : “‏معركة إيران & الصهاينة الآن على مشارف دمشق بجوار قصر الأسد ، جميعهم قتلة وكلهم شربوا من دماء الأبرياء ، فاللهم اشفِ صدور المقهورين واضرب الظالمين بالظالمين”.

ويقول الناشط سمير القاضي : ” إسرائيل هي عدو الأمة منذ نشأة الإسلام حتى قيام الساعة وكذلك إيران . ألم يقتتل الفرس مع الروم يوما” من أجل تقاسم النفوذ والسيطرة؟؟ ألم يختلف الإنكليز والفرنسيون يومًا على تقاسم الوطن العربي واقتتلا ؟؟ مالفرق بين من يحتل عاصمة عربية وبين من يحتل أربع عواصم ؟؟ ما الفرق بين من هجر شعب فلسطين وبين من هجر شعب سوريا ؟؟ أقول لمن يتبنى مقولة (عدو عدوي صديقي) إن دخل ذئب وضبع على منزلك ثم اختلفا على توزيع لحم أطفالك مع من ستكون ياترى !!!!؟ ” .

مسرحية أم حرب؟

يقول الناشط أحمد حسن : ” اه عارف الفيلم ده بتاع اسرائيل وايران اللي بقالهم 30 سنه بيهددوا بعض من بعيد لبعيد وفي الاخر مش حيحاربوا بعض برضه”.

وعقب التوصل إلى الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة (5+1)، بعد أكثر من 15 سنة من المفاوضات المتقطعة، أقدمت أمريكا على رفع اسم إيران من “محور الشر”، بالتزامن مع أحاديث عن حلف جديد بين واشنطن وطهران، في حين أعادت بريطانيا قبل أيام فتح سفارتها في طهران، بعد أربع سنوات من إغلاقها، بالتزامن مع ظهور لافتة كبيرة في أحد شوارع “تل أبيب”، تبين العلم الإيراني إلى جانب العلم الإسرائيلي، و كتب عليها عبارة “ستفتح هنا السفارة الإيرانية في إسرائيل”، خطوات قابلتها إيران بسحب أشهر الشعارات الإيرانية “الموت لأمريكا – الموت لإسرائيل” من الساحات العاملة ومساجد المدن الإيرانية.

وفي السياق أعلن القيادي في ميليشيات “الباسيج” التابعة للحرس الثوري الإيراني، العقيد “برات زادة”، قبل أيام، أن المساجد في إيران بدأت بإزالة شعار “الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل” والتخلي عن الهتاف به خلال الصلوات اليومية.

ورأى “زادة” أن منشأ روح مقارعة الاستكبار وشعار “الموت لأمريكا” و”الموت لإسرائيل” هو من كربلاء وواقعة عاشوراء، وأن المساجد هي خنادق لحماية “الثورة الإسلامية”، وفق قوله.

الاتصالات مستمرة

بحسب العديد من التقارير الدبلوماسية والاستخاراتية والإعلامية، فإن العلاقات الإيرانية الأمريكية لم تنقطع في الأساس منذ “الثورة الإسلامية” في إيران عام 1979، وقد تنوعت هذه الاتصالات ومستوياتها، وتمخض عن هذا النوع من التواصل تفاهمات أميركية أساسية مع النظام في إيران في أكثر من محطة، حيث كانت عاملاً مهماً، وربما حاسماً، في تنسيق ودعم الهجوم الأمريكي على أفغانستان لإسقاط حركة طالبان، وحليفها تنظيم القاعدة عام 2001، وعلى نفس النسق والتوجه تم التنسيق الكامل بين النظام في إيران والإدارة الأمريكية بشأن العمليات العسكرية الأمريكية لاحتلال العراق وإسقاط نظام صدام حسين عام 2003، حيث أكدت إيران مراراً وعلى لسان قادتها أنها ساهمت في حسم عملية الاحتلال وإنجاحها.

كما استمر التنسيق بين الطرفين بعد ذلك بشأن بناء النظام السياسي في العراق ما بعد صدام حسين، وأصبحت الحكومة العراقية الناشئة عن هذا التنسيق تقليدياً حليفة لإيران اقتصادياً وسياسياً واستراتيجياً بعلم وموافقة الإدارة الأمريكية، أضف إلى ذلك التفاهمات والتنسيق العلني بين طهران وواشنطن في ضرب تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في العراق .

قصف متبادل

تقول الناشطة سهير عبد الخالق : ” يعني عاوز تفهمني ان ايران كانت بتتلكك علي الغاء الاتفاق مع امريكا علشان تقوم ايران بضرب اسرائيل.انا شايفه ان اسرائيل عملت تمثيليه لاغراض اخري.ربما رز من السعوديه بعد طبعا ما يعلي سعر النفط وعلي السعوديه دفع الجزيه”.

وفي وقت سابق، أعلن جيش الاحتلال الصهيوني أن قواته في الجولان السوري المحتل تعرضت لقصف بالصواريخ والقذائف شنته قوات إيرانية متواجدة في سوريا.

وقال المتحدث باسم الجيش المقدم جوناثان كونريكوس إن فيلق القدس الإيراني أطلق نحو عشرين صاروخا وقذيفة من مرتفعات الجولان على أهداف إسرائيلية.

وأضاف أن إسرائيل اعترضت “بعضا” من الصواريخ، وأنه لا توجد تقارير عن وقوع خسائر بشرية، وأن الأضرار التي لحقت بالمواقع محدودة.

حصان طروادة إيراني

على الرغم من متاجرة معظم الديكتاتوريات العربية بالقضية الفلسطينية، واتخاذ العداء “الشكلي” لإسرائيل ومجافاة أمريكا كـ “إكسير حياة” لاستمرارها، إلا أنهم لم يصلوا مجتمعين إلى مغالاة نظام “الثورة الإيرانية” بعد قدومه إلى السلطة عام 1979 ، حيث بدأ هذا الاستغلال التجاري المصلحي للقضية الفلسطينية في زمن مؤسسه “الخميني”، والتي كانت بمثابة “حصان طراوادة” من أجل التغلغل في الجسم العربي إلى جانب تحقيق أجندات داخلية و تثبيت سلطته في البلاد ، حيث قامت “الثورة” بإنزال العلم الإسرائيلي ورفع العلم الفلسطيني، الأمر الذي وجد تأييداً وتفاعلاً في الأوساط الشعبية العربية، بعد ستة شهور من تسلم “الخميني” السلطة، أعلن آخر جمعة من شهر رمضان المبارك، يوماً عالمياً للقدس.

بعد أشهر اندلعت الحرب الإيرانية العراقية في أيلول 1980 واستمرت ثمانية أعوام، بسبب تعنت “الخميني” شخصياً في قبول قرارات المجتمع الدولي بوقف إطلاق النار بين الجانبين، حيث أطلق “الخميني” شعاراً جديداً “إنَّ الطريق إلى القدس تمرّ ببغداد”، ومع مرور الوقت تكاثرت الطرق الإيرانية التي تصل إلى “القدس”، من بغداد وبيروت و دمشق والمنامة وصنعاء والكويت، ليضيف إليها وكيل الثورة الإيرانية في لبنان زعيم ميليشيا حزب الله “حسن نصر الله” محافظات ومدن سورية.

إذاً، خمسة وثلاثون عاماً من “الثورة الاسلامية” الإيرانية، ماذا قدمت للقضية الفلسطينية وتحرير القدس، سوى الخطب الجوفاء والشعارات الرنانة، وإطلاق تسمية “فيلق القدس” على أكبر وأخطر ميليشيا في الحرس الثوري الإيراني، المسؤولة عن عمليات خارج الحدود الإقليمية، وحدها الأمة العربية هي العدو الحقيقي والتاريخي لإيران، منذ هزيمة الإمبراطورية الفارسية وتدميرها في معركة القادسية عام 636 ميلادي، ورغم أنّهم أصبحوا مسلمين منذ مئات السنين إلا أنّهم لا ينسوا تلك الهزيمة من قبل المسلمين العرب، لذلك هناك من يرى أن نفخ نظام الملالي منذ العام 1979 في نار الطائفية خلفيته الكراهية للعرب.

Facebook Comments