بلا شك فإن نتائج الانتخابات البرلمانية في لبنان والتي أسفرت عن هيمنة الميلشيا الشيعية (حزب الله وحركة أمل)، جاءت صادمة لتحالف الرياض والإمارات وتعزيزًا لمعسكر إيران الشيعي، وبسطًا لنفوذ طهران في العاصمة العربية التي باتت رهينة لمراكز القوى الشيعية الموالية لطهران.

لا يصح مطلقا اعتبار ما جرى انتصارًا للشيعة على السنة؛ ذلك أن الحركات الشيعية تعبر بشكل صادق عن مكونات ومعتقدات الشيعة وتحركاتهم تصب في تعزيز مصالح فريقهم على عكس من يحسبون على السنة؛ فهم أكثر تعبيرًا عن التوجهات العلمانية والرأسمالية المتوحشة.

فتيار المستقبل الذي يقوده سعد الحريري، والمدعوم من الرياض، لا يمثل كل مكونات السنة، هو فقط يعبر عن شبكة المصالح الموالية للرياض وتعبر عن توجهاتها التي صبت مؤخرا في اتجاه العلمنة والتغريب من جهة والتحالف مع الصهاينة والأمريكان من جهة ثانية ، وإعلان التخلي تماما عن فلسطين قضية العرب والمسلمين الأولى والاعتراف بمزاعم حقوق الصهاينة في أرض فلسطين والضغط على قيادات فلسطينية للقبول بصفقة القرن الأمريكية التي تفضي إلى تصفية القضية وبسط نفوذ إسرائيل على المنطقة ومنحها القدس عاصمة أبدية لدولة يهودية خالصة، إضافة إلى دعم معسكر الثورات المضادة وتكريس الحكم الاستبدادي ضد تطلعات الشعوب العربية نحو الحرية والاستقلال.

فهل هذه التوجهات والسياسات تعبر عن أفكار ومعتقدات أهل السنة؟ هي فقط تعبر عن أفكار ومعتقدارت زعامات فارغة تتاجر بكل شيء من أجل تكريس قبضتها على السلطة وحماية مصالحها ونفوذها.

ولا شك أن خيارات الرياض الأخيرة والتي تبتعد بها عن الإسلام والعروبة ، وتجعلها أكثر قربا من تيار العلمنة والتغريب والتحالف مع الصهاينة والأمريكان ، انعكس على الناخبين اللبنانيين من أهل السنة الذين فضل معظمهم المقاطعة لعدم قناعتهم بما يمثله تيار سعد الحريري من أفكار وسياسات ، وكذلك رفضًا لما تمثله مليشيا الشيعة الداعمة للسفاح بشار الأسد والموالية للمشروع الشيعي الإيراني الرامي لتعزيز وبسط نفوذه على عدة عواصم عربية منها بيروت وبغداد ودمشق وصنعاء.

العامل الثاني الذي أفضى إلى انتصار الميلشيا الشيعية في لبنان هو سعد الحريري نفسه الذي يتحمل مسئولية أكبر عن تلك الخسارة، حيث فقد تياره ثلث أعضائه في البرلمان في هذه الانتخابات، ليس فقط لأنه يفتقر إلى الكاريزما السياسية والحضور الذي كان يمثله والده ، بل أيضا لاضطرابه السياسي وهشاشة مواقفه ، خاصة في الأشهر الأخيرة وإقامته الطويلة خارج البلاد ، واستقالته ثم العودة عنها ، وأخطائه الاستراتيجية في تحالفات داخلية ضد مصالح قاعدته الانتخابية ، انتهت لاستنزافه وتحقيق المكسب للآخرين على حسابه ، خسر سعد الحريري ثلث مقاعده في البرلمان اللبناني تقريبا .

العامل الثالث الذي أفضى إلى خسارة تيار المستقبل وهيمنة الميلشيا الشيعية على المشهد، أن الناخب اللبناني أراد معاقبة أكبر حزب داخل الكتلة السنية بسبب سنوات من سوء الإدارة، في الوقت الذي لم يتمكن “حزب الله” من الحصول على الأغلبية في البرلمان اللبناني فحسب، بل اكتسحها، الأمر الذي سيستخدمونه كدليل على الدعم الشعبي لتدخل الحزب في سوريا وموقفه من إسرائيل والتحالف الإقليمي الأوسع مع إيران. وأوضحت مجلة “ذي أتلانتيك” الأمريكية أن ميليشيا “حزب الله” تتمتع بشعبية حقيقية داخل المجتمع الشيعي، بعد تذرعه بحماية لبنان من إسرائيل و الجهاديين السوريين، في حين أن ضعف الدولة اللبنانية يوفر لحزب الله ورقة رابحة ، مما يسمح لها بتصوير نفسها على أنها القوة الوحيدة القادرة على حماية مؤيديها من الأعداء الداخليين والخارجيين.

ووفقا للمحلل السياسي جمال سلطان فإنه من حيث الواقع العملي لن تغير نتائج الانتخابات أي توازنات سياسية داخلية ، فحزب الله يسيطر بقوة السلاح ـ الظاهر والخفي ـ على القرار اللبناني ، ولا يوجد قوة يمكنها أن تمضي قرارا إلا بموافقته ، حتى لو لم يكن له عضو واحد في البرلمان ، وهو الذي أوصل ميشال عون لرئاسة الجمهورية ، ولكن الانتخابات ستعزز من المظلة الشرعية على تحركاته بدلا من أن تظل ميليشياوية ، وبطبيعة الحال سيكون سعد الحريري هو المرشح الأهم وربما الوحيد لرئاسة الوزارة ، فما زال يملك الكتلة السنية الأكبر (21 معقدا) ، كما أنه سيكون المرشح المفضل لحزب الله نفسه أيضا ، لأنه أضعف واجهة سياسية يمكن أن يتعامل معها في الحالة السنية ، كما أن سوء الأوضاع الاقتصادية في لبنان والذي يحتاج إلى ضخ الكثير من المعونات الدولية سيجبر حزب الله إلى البقاء لفترة أطول في خلفية المشهد .

بشكل عام ، مستقبل لبنان ليس رهنا لانتخابات داخلية ، بقدر ما هو رهن لتطورات الحروب الإقليمية القائمة ، في سوريا والعراق واليمن ، والأخرى المحتملة ، وبدون أدنى شك إذا وقعت مواجهة بين إيران والكيان الصهيوني فإن لبنان سيكون ـ مع سوريا ـ ساحتها الأساسية ، ليدفع العرب من جديد ـ من دماء أبنائه ومقدراتهم ـ فاتورة الطموح الإيراني لإحياء امبراطوريته الحلم في الشرق. كما يدفعون دائما فاتورة فشل الحكام واستبدادهم وفشل خياراتهم وعدم قدرتهم على قيادة الشعوب نحو مستقبل أفضل يقطع دابر الطامعين والمحتلين.

Facebook Comments