نزل الخبر كالصاعقة على رءوس الماشية العربية في حظيرة الراعي الأمريكي، لم يصدق محمد بن سلمان الذي يعده الرئيس دونالد ترامب في مصاف البقر الحلوب، أن الديمقراطيين في مجلس النواب الأمريكي خرجوا من حالة التردد التي تلبستهم خلال العامين الأخيرين، وقرروا البدء بإجراءات عزل الحلاب ترامب، قبيل نحو عام واحد من انتهاء ولايته الأولى، وفي خضم أزمات سياسية وحالة انقسام كبيرة في الولايات المتحدة.

وقد رفض العديد من المشرعين الديمقراطيين – بمن فيهم رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي – خلال السنتين الماضيتين الدخول في مسار عزل الرئيس على اعتبار أن ذلك بمثابة إهدار للوقت لأن مشرعي الحزب الجمهوري الذي ينتمي له الرئيس يتمتعون بأغلبية في مجلس الشيوخ، في حين اعتبر نواب ديمقراطيون آخرون أن عليهم التزاما أخلاقيا بالسعي لإقالته مهما كانت النتائج والتبعات.

 

تهدئة اللعب..!

والحال هكذا لم تجد سعودية بن سلمان إلا الاستنجاد برئيس الوزراء الباكستاني للوساطة في حلحلة التصعيد مع إيران، وقال رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان، إنه يؤدي دور الوسيط لحلحلة التصعيد مع إيران بطلب من ترامب، وولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان.

وأوضح خان، في تصريح صحفي أدلى به على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة: “لا يمكنني الكشف حاليًا أكثر، باستثناء أننا نحاول القيام بذلك ونتوسط”، وأضاف خان: “لقد طلب مني الرئيس الأمريكي التوسط، وقد تحدثت بالفعل مع الرئيس الإيراني أمس”.

وتابع: “كما تباحثنا مع الأمير محمد بن سلمان، وهو طلب مني أن أتحدث للرئيس الإيراني؛ حيث كان على علم بأنني سألتقي به، كما سألني الرئيس ترامب ما إذا كان بإمكاننا تخفيف حدة توتر الوضع وحتى ربما التوصل إلى اتفاق جديد”.

وذكر خان أنه نقل هذا السؤال لروحاني، مضيفًا: “نعم، نفعل كل ما بوسعنا، وهذه العملية مستمرة ولا أستطيع الكشف عن أكثر مما قلت”، وجاء قرار النواب الديمقراطيين ببدء إجراءات عزل ترامب بعد تقارير أفادت بأن ترامب ضغط على نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في اتصال هاتفي يوم 25 يوليو لدفعه لفتح تحقيق عن بايدن، المرشح الديمقراطي الأوفر حظا لخوض انتخابات الرئاسة، وابنه هانتر، الذي عمل بشركة تنقب عن الغاز في أوكرانيا.

البقرة الحلوب

ولم يكن دونالد ترامب مُفاجئا في استنزاف “البقرة الحلوب” التي لم تجف بعد، وما زال بالإمكان ضخ بعض من عائداتها النفطية في خدمة الاقتصاد الأمريكي، بل ويمكن اكمال الاتفاقات والصفقات التي أبرمها ترامب في المملكة النفطية، مع الرئيس الأمريكي الذي يليه.

ولكن الاقتصاد والسياسة لا ينفصلان، وتلك من البديهيات، وصفقات التسليح الضخمة، غالبًا ما تتطلب إيجاد عدو، أو إعادة التذكير بعدو موجود فعلاً، وفي صفقة كتلك التي أُبرمت في السعودية، لا يكفي أن يقتصر العدو على تنظيم إرهابي مثل “داعش” تم تصنيعه في حضانات المخابرات الأمريكية، فطبيعة الأسلحة، تتجاوز الحرب على الإرهاب، فهي استراتيجية بطبيعتها، ومن هنا كان لا بد من إضافة إيران إلى محور شر، يبدأ من الرقة والموصل ويصل إلى طهران، بحسب توصيف صحيفة لوموند الفرنسية.

ومع أنه من الممكن أن يحاجج البعض بأن تصعيد الخطاب ضد إيران، خلال الزيارة الترامبية للسعودية، كان مجرّد بروباغندا لحشد العالم الإسلامي السنّي خلف الولايات المتحدة، إلا أن إشاعة أجواء توتّر في منطقة بالغة الخطورة مثل الشرق الأوسط، وبموازاة صفقات تسليح بهذا الحجم، ينذر بأن الجنون الاقتصادي لدونالد ترامب، والمحاولات الدؤوبة التي يقوم بها للمزايدة على خصومه داخل المؤسسة الحاكمة في الولايات المتحدة، تنذر بدفع التوتر القائم فعلاً إلى تخوم الجحيم.

مليارات المسلمين

لا بد من الإشارة، إلى أن جولات الحلب التي قام بها ترامب، لم تكن مفصولة عن الضغوط الداخلية التي يتعرّض لها من قبل المؤسسة الحاكمة في الولايات المتحدة، فالرئيس الأمريكي، ومنذ دخوله البيت الأبيض وربما قبل ذلك واجه الكثير من المصاعب، على خلفية الحملات الداخلية المرتبطة بشبهات تواطؤ مع روسيا، أدّت حتى الآن، إلى الإطاحة ببعض مساعديه، وأبرزهم مستشار الأمن القومي مايكل فلين، فيما أُجبر على القبول بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة في تلك المزاعم، برغم المخاطر المرتبطة بأمر كهذا على رئاسته.

ولا يمكن، في هذا السياق، عزل الخطوات التي اتخذها ترامب، في مجال السياسة الخارجية من فرض عقوبات على إيران، مرورًا بتوجيه ضربة الـ”توماهوك” إلى سوريا، والتهديد بحرب ضد كوريا الشمالية، عن المزايدات التي يحاول الرئيس الأمريكي اللجوء اليها، لقطع الطريق أمام خصومه الداخليين.

ومن هنا يمكن فهم الكثير من التفاصيل المرافقة لزيارة قام بها ترامب إلى السعودية وبعدها إلى كيان العدو الصهيوني عاد بعدها إلى واشنطن، متباهيًا بمليارات الدولارات التي تمكن من ضخها إلى الاقتصاد الأمريكي، وبخطاب تحريضي ضد إيران، وبمخططات لتأسيس ناتو عربي، ترعاه السعودية، فيما هو بإمرة ترامب العرب، على حد توصيف صحيفة كومرسانت الروسية، والأهم من ذلك، وضع كل نتائج الجولة الشرق أوسطية، في خدمة إسرائيل، لتقديم أوراق اعتماده مجددًا إلى اللوبي اليهودي الأمريكي.

Facebook Comments