لمدة أربعة أشهر تقريبًا، استمرَّت عصابة صبيان تل أبيب في القاهرة تراقب الثورة في السودان عن كثب، فقد أثارت المظاهرات التي طالبت بتنحي البشير في الشوارع السودانية قلقَ جنرال إسرائيل السفيه عبد الفتاح السيسي، لكن هذا القلق الناجم عن المظاهرات على الحدود الجنوبية لمصر لا يتعلق بكون البشير صديقًا وحليفًا مقربًا، فلم يكن هناك وفاقٌ بين هذا وذاك، بل لكون الثورة مُعدية للشعوب.

ووقع كثير من المصريين، يوم الجمعة الماضي، في فخ إعلان القوات المسلحة المصرية عن أنها ستذيع بيانا مهمًا، فانتظرت بعض الشبكات الإعلامية لتنقل هذا الإعلان، وبدأت العواجل باللون الأحمر تظهر على بعض الشاشات، وتسمّر المصريون أمام جهاز التلفاز، وفِي نفسهم أن جنرالًا سيظهر ليعلن اقتلاع رأس الأفعى السفيه عبد الفتاح السيسي على الطريقة السودانية.

اليأس خيانة

وذكَّرت مشاهد المتظاهرين السودانيين الذين يحتفون بسقوط البشير، الناشطين المصريين المؤيدين للديمقراطية بانتصارهم قصير الأجل في فبراير 2011، عندما تنحّى المخلوع مبارك بعد 18 يومًا من الاحتجاجات.

ولكن هذه الصور كانت أيضًا بمثابة تذكير مؤلم للأخطاء التي وقع فيها النشطاء الشباب في ميدان التحرير، ما دفع بعضهم إلى إرسال رسائل تحذيرية للمتظاهرين السودانيين بألا يغادروا الساحات العامة قبل تلبية مطالبهم.

إلا أنَّ بعض المصريين أصابهم يأس نتيجة قراءة خاطئة للأحداث، فهم ينتظرون تكرر أحداث معينة حدثت من قبل في 2011، وحين لا تحدث يصابون بالإحباط، والحقيقة أن التفاؤل يجب أن يكون عنوان المرحلة، بداية بما حدث في 20 سبتمبر الجاري، فقد ثبت للمصريين أن الديكتاتور يقف عاريًا إلا من بندقيته.

لقد سقطت جميع الحجج التي تذرّع بها، وسقطت جميع المزاعم التي تتحدث عن وجود ظهير شعبي يحميه، بل سقطت أيضا فكرة أن الدولة ومؤسساتها الأمنية على قلب رجل واحد.

تفاءلوا بالفرج

ومن أوضح ملامح التفاؤل مشهد الحشد المزعوم عند المنصة، فقد كان قمة من قمم الإفلاس الكثيرة التي مرّ بها السفيه السيسي، فرأي المصريون غالبية الحشد من طلاب الكليات العسكرية، ومن عساكر الأمن المركزي، أو من الفقراء الذين لا يكادون يجدون قوت يومهم، فقبلوا بإراقة ماء الوجه مقابل فتات يلقى إليهم.

حتى إن بيان القوات المسلحة في حد ذاته دليل على ذلك التفاؤل، فحالة التخبط الواضحة في البيان تؤكد أن الجيش في وادٍ والشعب في واد غير ذي زرع غيره، ويركز على حالة كسر حاجز الخوف والرعب الذي أصاب النظام نتيجة الدعوة إلى التظاهرات.

فقد تحوّلت مدن وميادين مصر الرئيسية إلى معسكرات، بثّت الرعب والخوف، ومنعت جموع الناس من الخروج في مليونية الجمعة، بينما تجمع بعض أنصار النظام في مدينة نصر، حيث ارتُكبت أبشع مجزرة في تاريخ مصر الحديث.

ثورة التوقعات

بدوره حذَّر أستاذ العلوم السياسية، عصام عبد الشافي، من ثورة التوقعات، قائلا: إن خطر ثورة التوقعات “أكبر خطر يمكن أن يواجه أي ثورة، ويجب عدم المبالغة في حجم التوقعات والرهانات والآمال والطموحات التي قد تدفع بالناس لليأس والإحباط”.

وأضاف أن السيسي تحوّل من الفعل ولأول مرة منذ سنوات إلى رد الفعل، “بعد أن تم كشف صورته الحقيقية التي حاول تزييفها خلال السنوات الماضية، وبات الصراع في مصر صراع بقاء وليس صراع مصالح فقط، فهو صراع بين شعب وإرادته وحريته وكرامته ومن يدافع عنها، وبين منظومة خونة وعملاء وفاسدين ومجرمين وجبناء”.

وأشاد بحراك “جمعة الخلاص” قائلا: “الحراك شهد تطورين نوعيين، أولهما خروج أهالي الصعيد وانتقال الحراك من الشمال إلى الجنوب على عكس توقعات نظام السيسي، وثانيهما ارتفاع سقف مطالب المحتجين منذ اليوم الأول بإسقاط السيسي رأس الفساد”.

Facebook Comments