خبر صغير نشرته الصحف، يقول "إن وزير داخلية الانقلاب اللواء مجدي عبدالغفار، طالب المسئولين عن سلسلة فروع هايبر ماركت "أمان للمواد الغذائية"، التي دشنتها الوزارة أواخر عام 2015، بتخفيض أسعار اللحوم والبيع بأسعار مناسبة؛ لـ"تخفيف العبء عن كاھل المواطنين وتوفير السلع الأساسية بأسعار مناسبة.

الخبر كشف جانبا من تورط جنرالات الداخلية في بيزنس جديد ينافسون به بيزنس جنرالات الجيش، وحالة الفوضى التي تعيشها أجهزة الدولة المصرية منذ الانقلاب العسكري عام 2013، وسط غياب تام لأجهزة الرقابة التي تم تدجينها.

وتنشر "أمان للمنتجات الغذائية" على مواقع التواصل، تفاصيل عمليات توزيع اللحوم والدواجن والسلع المختلفة على المنافذ المختلفة، التي تقع بجوار أقسام الشرطة غالبا، بعدما افتتح وزير الداخلية 120 فرعا، وتعلن عن "تخفيضات حقيقيّة في هايبر الداخلية"، ما يثير السخرية.

بيزنس الداخلية الجديد جاء بدعوى الاستجابة لمطالب قائد الانقلاب بالتخفيف عن المواطن العادي، وضمن فوضى دخول أجهزة أمنية مختلفة في الأسواق، مثل الجيش والمخابرات العامة، وتوزيع سلع ومنتجات بدلا من التفرغ لأدوارها الحقيقية، ما يفسر جانبا من الفشل الأمني بفعل التركيز على الأمن السياسي لا الجنائي والأمن الغذائي، الذي يتضمن حالات فساد رسمية بدلا من الإمساك بالمفسدين.

4 أذرع لبيزنس الداخلية

ولا يقتصر بيزنس الداخلية على "أمان للمنتجات الغذائية"، فهناك سلسلة الفتح" و"المستقبل" و"سيتك"، وهي شركات تم تأسيسها العام الماضي من قبل الداخلية.

"الفتح للتوريدات والاستثمارات" من كيانات بيزنس الداخلية عقب الانقلاب، وتهدف إلى توفير شركات أمنية خاصة يديرها جنرالات الشرطة، وتولت جميع عمليات الإنشاء والصيانة والترميم بجميع جهات الوزارة، ومقاولات تأسيس السجون وأقسام الشرطة، فضلاً عن تنفيذ عدد من المشاريع الاستثمارية لصالح جهات حكومية وهيئات خاصة.

وتشمل مشاريع شركة الفتح تأسيس أقسام للشرطة، وصالات ألعاب رياضية، واستراحات للوزارة بعدد من المحافظات، وإقامة مبانٍ تتبع هيئات الأسلحة والذخيرة، وشرطة المسطحات المائية.

وكان مشروع إعادة تأسيس نادي قضاة الإسكندرية، وبناء مدينة القضاة السكنية بمنطقة برج العرب غرب الإسكندرية، من أكبر المشاريع التي تولّتها الشركة بعد إرساء مناقصة المشروع عليها بالأمر المباشر من قبل المستشار أحمد الزند، وزير العدل السابق، وتبلغ تكلفة المشروع 100 مليون جنيه.

قبل هذا في عام 2000 أيضا، خرجت إلى النور "شركة المستقبل" برأس مال يبلغ 30 مليون جنيه، والتي يُعرّفها موقعها الإلكتروني، على أنها إحدى شركات قطاع الاستثمار في وزارة الداخلية، وتقوم بأنشطة في مجال الخدمات البترولية، وتصنيع وتوريد لوحات المرور المعدنية، والاستثمارات العقارية، والاستثمارات الزراعية، والمقاولات، والتوريدات العامة، وأعمال الصيانة، وأعمال النظافة، والخدمات السياحية.

وحصلت الشركة على مُناقصات توريد مستلزمات جراحية، ومهمات لقوات حفظ السلام، وأجهزة كهربائية ومفروشات وأثاث، وتجهيز الفنادق التابعة لوزارة الداخلية، كما قامت بمشاريع لصالح جهات حكومية، على رأسها الهيئة العامة لسكك حديد مصر، وشركة السويس لتصنيع البترول.

وعقب ثورة يناير 2011، كشفت مجلة "الشباب" التابعة لمؤسسة الأهرام، عن أن عددا من أعضاء حركة "الضباط الشرفاء"، طالبوا بفتح تحقيق مع اللواء جهاد يوسف، والكشف عن مصادر ثروته، حيث إنه يعد أحد أصحاب المليارديرات في وزارة الداخلية.

وقالت التقارير الصحفية إن هناك مستندات تثبت تورط جهاد يوسف في وقائع فساد مالي وإهدار للمال العام، حيث أسند إليه حبيب العادلي عددا كبيرا من الملفات المشبوهة، وتم عزله.

"سيتك" للإلكترونيات والتجسس على المصريين

الشركة الثالثة المهمة التي دشنتها الداخلية ضمن البيزنس عقب انقلاب 2013، هي شركة تكنولوجيا المعلومات المدنية "سيتك"، التي تأسست عام 2014 للعمل في مشروعات برامج وأنظمة حاسبات آلية وتطبيقاتها بمختلف أنواعها وأنظمة تشغيلها، ومقرها داخل مصلحة الأحوال المدنية في ميدان العباسية، ولها فروع في مصر الجديدة.

وقد توسَّعت أنشطة الشركة لتشمل توفير مراكز تدريب مُجهّزة ومعتمدة، وإعداد مراكز خدمة العملاء والدعم الفني، وتقديم الاستشارات الفنية، وعقود الصيانة، وعقود الدعم الفني لجميع العملاء داخل مصر من القطاع الخاص أو الحكومي.

بيزنس السلع الغذائية

وجاء تدشين الشركة الرابعة لجنرالات الداخلية في ديسمبر 2015، حين أعلنت وزارة الداخلية عن تدشين 120 فرعا لها في صورة مجتمعات استهلاكية، وأعلنت قائمة أسعار منافذ "أمان" التي تم افتتاحها في المحافظات، والتي قيل إنها تهدف إلى توفير السلع الغذائية الأساسية للمواطنين بأسعار مخفضة، مقارنة بمثيلاتها بالأسواق.

وقد كشف وزير داخلية الانقلاب مجدي عبدالغفار، خلال افتتاحه المرحلة الأولى منها، عن أن المنافذ المستهدف إقامتها عددها 250 منفذًا.

ممنوع التفتيش على بيزنس الشرطة

وعلى غرار الغموض حول بيزنس الجيش، كشف حديث سابق لرئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، "هشام جنينة"، عن أن أرباح شركات ومنشآت الداخلية تذهب إلى صناديق خاصة داخل وزارة الداخلية، لم تستطع أي جهة الاقتراب منها، وترفض الداخلية التفتيش على هذا الصناديق.

وخلال حوار صحفي أجراه المستشار هشام جنينة، مع صحيفة "الشروق"، مارس 2014، قال: إن عدد الصناديق الخاصة بوزارة الداخلية نحو 38 صندوقاً بقيمة 12 مليار جنيه، منها صندوق التأمين الخاص لضباط الشرطة الذي تتبعه مطابع الشرطة وغيرها.

وفي نهاية عام 2015 تقدّم عاصم عبدالمعطي- الوكيل السابق للجهاز المركزي للمحاسبات وعضو المركز المصري لمكافحة الفساد- ببلاغ إلى النائب العام، ضد القائمين على الصناديق الخاصة لوزارة الداخلية، والتي تدخل إليها أرباح شركات المنظومة الاقتصادية للشرطة.

وفي بلاغه، اتّهم عبدالمعطي الوزارة بفتح حسابات سرية للصناديق الخاصة التي تتبعها، رغم صدور القانون رقم 139 لسنة 2006، والذي يقضي بإغلاق كل الحسابات المفتوحة خارج نطاق إجراءات رقابة البنك المركزي، ولكن انتهى كل ذلك إلى الحفظ.

كم يساوي بيزنس الجيش؟

منذ انقلاب الجيش على الرئيس المنتخب محمد مرسي، وتولي المشير عبدالفتاح السيسي السلطة، منتصف عام 2014، اتسعت اﻷنشطة الاقتصادية للقوات المسلحة لتتخطى كل ما سبق في تاريخها، بحسب ما تكشفه قرارات "الجريدة الرسمية"، أو محاضر اجتماعات رسمية، أو ما تم الإعلان عنه من خلال وسائل اﻹعلام.

وتشارك القوات المسلحة في مختلف النشاطات الاقتصادية عبر أربع هيئات تتبع وزارتي الدفاع واﻹنتاج الحربي، هي جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، والهيئة العربية للتصنيع، والهيئة القومية للإنتاج الحربي، والهيئة الهندسية للقوات المسلحة، ويتراوح هذا البيزنس بين:

مقاولات حكومية: بإسناد إدارة أعمال غالبية الوزارات إلى هيئات أو شركات تابعة للقوات المسلحة.

استيراد وتصنيع الدواء: بإسناد استيراد مستلزمات طبية وألبان الأطفال للجيش فقط، وإلغاء مناقصات المستشفيات ما تسبب في أزمة نقص.

إدارة الطرق الصحراوية: تولت وزارة الدفاع رسميا إدارة العديد من الطرق في مصر وتحصيل رسوم المرور، ما حولها إلى مناطق عسكرية بها بيزنس خدمات أخرى، كما تولى الجيش احتكار الإعلانات على هذه الطرق، ما دفع شركات لرفع دعاوى قضائية لم تنفذ أحكامها لصالحهم، ونشرت شعبة الإعلان بغرفة صناعات الطباعة والتغليف إعلانا عن اتخاذ خطوات تصعيدية دون جدوى.

بيزنس التعليم: في صورة "مدارس بدر الدولية" التي أنشأها الجيش الثالث في السويس، والتي توفر تعليمًا بالنظامين اﻷمريكي والبريطاني، وتعاقدت جامعة القاهرة مع الجيش للإشراف على مطابخ المدن الجامعية.

بيزنس الطاقة: تمثل في تعاون وزارة الإنتاج الحربي وشركة TBEA الصينية في مشروع الألواح الشمسية لتوليد الطاقة.

بيزنس السمك والتماسيح: تولى جهاز مشروعات الخدمة الوطنية تنفيذ عدد من مشروعات الاستزراع السمكي في عدة محافظات. ومع ظهور أول مشروع للاستفادة من قرابة 30 – 50 ألف تمساح في بحيرة السد العالي في مشروع إنشاء مزارع التماسيح، الذي يوفر ملايين الدولارات (جلد التمساح الواحد بـ4 آلاف دولار)، ظهر أنه "بالتعاون".

بيزنس متفرق: بدء إنتاج مصنع 360 التابع لوزارة لإنتاج الحربي، إنتاج ثلاجات وتكييفات بشراكة مع شركة صينية، وتولي الهيئة الهندسية بناء كباري وتأهيل مستشفيات وقصور ثقافة.

ورغم تصريحات السيسي المتكررة بأن اقتصاد الجيش لا يزيد عن 2% من حجم الاقتصاد، أشارت تقديرات محلية (نجيب ساويرس) وتقارير أجنبية (كارنيجي ومنظمة الشفافية الدولية وواشنطن بوست)، لا سبيل للتأكد من دقتها، لغياب الشفافية عن بيزنس الجيش، إلى أن هذا الاقتصاد يتراوح بين 10، 20، و35 و60%.

وأرجع تقرير لمجلة "فورين بوليسي"، في 28 يناير 2016، "ترك السيسي الاقتصاد للجيش ليتحكم فيه"، إلى ما وصفه بـ"صفقة" بينه وبين جيشه، تقوم على دعم الجيش للسيسي مقابل ترك الأخير الهيمنة للجيش على الاقتصاد، وعدم التزام العسكريين بالقوانين التي تحكم المدنيين، عبر تشريعات خاصة بهم يصدرها السيسي وبرلمانه.

Facebook Comments