بعدما استجاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لطلب توسط البيت الأبيض بشأن مياه النيل وسد النهضة الإثيوبي الذي قدمته خارجية السيسي، قال ترامب مساء الأربعاء، فى تغريدة على تويتر: “لقد عقدت للتو اجتماعًا مع ممثلين رفيعي المستوى من مصر وإثيوبيا والسودان للمساعدة في حل النزاع الطويل حول سد النهضة الإثيوبي، أحد أكبر المشاريع فى العالم، الذى يتم بناؤه حاليا”. مضيفا أن “الاجتماع سار بشكل جيد وستستمر المناقشات خلال اليوم”.

وحذَّر محللون من سرية المفاوضات، حيث لم توضع على المعلن من جدول أعمال البيت الأبيض؛ خوفًا من حضور الصحفيين في المواعيد المقررة مسبقًا، واكتشاف الأسرار التي تريد الإدارة الأمريكية إخفاءها.

فيما أكد أكاديميون ومنظمات ثورية عدم ثقتهم في الولايات المتحدة كوسيط نزيه بين الأطراف أو بين خلفيات المشهد؛ بفضل سجلها الحافل في العداء لمصر ورغبتها في تفتيت قوتها ومصادرها النوعية.

سرية مشبوهة

وحذر الخبير محمود وهبة، المقيم بالولايات المتحدة، من أن التفاوض على سد النهضة يدخل مرحلة الحجرات المغلقة والمفتاح في يد أمريكا يصحبها عدم شفافية.

واعتبر أن ذلك يتم عمدًا لتتم المفاوضات بدون إلقاء الضوء على الأزمة، موضحًا أن ذلك ليس في صالح مصر.

وأشار وهبة إلى اجتماع موازٍ مع رئيس البنك الدولي (الذي سبق وطلبته حكومة الانقلاب ليكون وسيطًا في نفس الملف) يحضره وزير الخزانة الأمريكي ستيف مونشن، باعتبار أن امريكا أكبر مُسهم مالي بالبنك الدولي، موضحا أنه لن يصدر بيان بعد الاجتماع.

وأوضح أن المفاوضات السرية أكثر خطًرا من المفاوضات العلنية، متوقعا أن تأتي تسريبات الاجتماعات من إفريقيا (في إشارة إلى إثيوبيا) أو انتظر قصة من مصر تعطي أملا للانتظار لمحطه أخرى وحتى تتم إثيوبيا بناء السد.

وأضاف أن “أمريكا ليست وسيطا نزيها ولا حاجة إلى استخدامها”، متسائلا عن أسباب عدم ذهاب السيسي إلى محكمة العدل الدولية.

وقال: “هي محايدة وتحكم بناء على القوانين الدولية، بينما يحكم الوسيط بالمزاج.. الوسيط مهما كان سيكون لصالح إثيوبيا، خاصة أن إثيوبيا تدخل بورقات تفاوض قوية، فلديها السد حيث تم بناء 80% مِنه، وثانيا لديها توقيع من السيسي على اتفاق الخرطوم الذي سمح لها ببناء السد بدون شروط”.

وعن تحييد الجانب الإثيوبي لنوعية المفاوضات، قال أستاذ المياه بجامعات ماليزيا د.محمد حافظ: إن “الجانب الإثيوبي ممثلاً في وزير المياه والطاقة سيليشي بيكيلي، ظلّ يرفضه تمامًا، ويتمسك باستقلال المفاوضات الفنية عن المسار السياسي أو حتى الاستخباري، بحسب المصادر الدبلوماسية المصرية”.

وأضافت هذه المصادر أن الوزير الإثيوبي يخشى توريطه ووضعه أمام حلول غير مرغوبة بقوة الأمر الواقع، ولذلك فهو يواصل تمسكه باستقلال المفاوضات الفنية تماما خلال المحادثات التي تجري داخل الحكومة الإثيوبية.

إرث قذر

وعن السجل الحافل للولايات المتحدة الأمريكية أشار الأكاديمي د.محمد الغرباوي، أستاذ الإعلام، معلقا على صورة ترامب التي نشرها اليوم على حسابه على تويتر مع فريق التفاوض حول “سد النهضة”، قائلا: “وكأنه يقول ها هي مصر قد سلمت لنا أمرها!”.

وأضاف “بعد نشر صور ترامب.. يلتقي وزراء خارجية مصر وإثيوبيا والسودان، اليوم، ويبدو “سامح شكري” سعيدا منشرحا، من بعدها ولم تتوقف الأسئلة ولم تهدأ شكوكي وهواجسي”.

وأشار إلى أن السيسي لم يقرأ وثائق معارك مصر التاريخية من أجل مياه النيل، ولم يطًلع على موقف الولايات المتحدة في رفض تمويل بناء السد العالي، وتحريض البنك الدولي برفض المشروع، مضيفا أن أجهزة المعلومات والمخابرات المصرية يمكنها أن تقدم أول دراسة أجريت لتصميم سد النهضة.

وكشف عن دراسة أجراها “مكتب استصلاح الأراضي” التابع للإدارة الأمريكية- في نفس توقيت الرفض الأمريكي لتمويل السد العالي 1956- وأوصت هذه الدراسة بأن المنطقة التي سيبنى فيها سد النهضة مناسبة تماما للبناء والتخزين المائي.

وقال: “أكبر عملاء أمريكا في مصر بعد السادات هو حسني مبارك، خبرته مع الأمريكان نقلها عنه باللغة العامية الدكتور مصطفى الفقي، حينما كان سكرتيره للمعلومات، قال مبارك بالعامية “المتغطٌي بالأمريكان عريان”.

وتساءل: “هل يبحث السيسي وشكري عن تغطية احتياجات المصريين من المياه؟ أم لمزيد من التعرية من أكثر حلفاء “إسرائيل” في التاريخ الأمريكي، ترامب وابنته وزوجها اليهودي وابنها اليهودي؟”.

وزاد “أول علامات تعرية الوفد المصري في التفاوض هناك هو دعوة مندوب البنك الدولي  للمشاركة في المفاوضات”.

إثيوبيا هدف ترامب

وعلى غير المتوقع، كشف الباحث والأكاديمي بالجامعات الأمريكية، علاء بيومي، عن أن هدف المفاوضات هو مصالح الولايات المتحدة في إثيوبيا.

ورغم قوله إن “اللقاء كان جزئيًّا وثمرة لمطالب مصرية للولايات المتحدة بلعب دور الوساطة في مفاوضات سد النهضة، والتي واجهت تحديات كبيرة.. لذا يمكن النظر إلى لقاء واشنطن كانتصار للدبلوماسية المصرية، وثمرة للتحسّن الواضح في العلاقة بين النظام المصري وإدارة دونالد ترامب”.

لكنه استدرك قائلا: إن “اللقاء محاولة أمريكية للانفتاح على إثيوبيا بشكل عام، وليس نتاجا للمطالب المصرية بالتفاوض فقط. وتعود دوافع الانفتاح الأمريكي على إثيوبيا لأسباب اقتصادية واستراتيجية، تبلورت بوضوح خلال العقدين الأخيرين، واللذين شهدا تحول إثيوبيا المضطرد إلى قوة واعدة على خريطة التنافس الاقتصادي والاستراتيجي الدولي في القرن الإفريقي”.

وأوضح أن سبب تدخل أمريكا في الملف هو توجه “الصين إلى الاستثمار في الدول النامية من خلال الإقراض ومشاريع استثمار ضخمة في البنية التحتية. وتطوّرت تلك الاستثمارات في استراتيجيات كبرى كطريق الحرير. وتعد إثيوبيا من الدول الرئيسية على هذا الطريق في شرق إفريقيا. حيث تمتلك الصين قاعدة عسكرية في جيبوتي، وربطت ميناء جيبوتي بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا بخط قطار (تكلف 4 مليارات دولار)، لتسهيل حركة استثماراتها والتجارة بين البلدين. وتمتلك الصين حاليا أكثر من نصف ديون إثيوبيا الخارجية، كما تعد المستثمر الدولي الأكبر في إثيوبيا باستثمارات تفوق 13 مليار دولار من 2006 – 2015”.

ولفت إلى أن اهتمام أميركا بالتدخل في ملف سد النهضة، “سيسهم كثيرا في حل مشكلات إثيوبيا الاقتصادية (60% من سكانها يعيشون بلا كهرباء) كما سيحولها إلى دولة مصدّرة للطاقة لجيرانها. وهذا يعني أن أميركا مدفوعة في قرارها رعاية محادثات سد النهضة بمصالحها الخاصة في إثيوبيا، والتي تتخطّى مصالح مصر المائية.

وفي بيان تناولته وسائل التواصل الاجتماعي، اليوم، عن “المجلس الثوري المصري” تحت عنوان “سد النهضة يمثّل تهديدا وجوديا لمصر ولشعبها”، أعاد التذكير بمولاة الولايات المتحدة للكيان الصهيوني، وقال إن “دخول إدارة ترامب على خط المفاوضات في ضوء المشاريع التي يقوم بها الكيان الصهيوني في إثيوبيا في مجال المياه والتقارب الكبير بين منظومة الانقلاب وذلك الكيان فضلا عن وصول المياه إلى سيناء، كل هذا يشير إلى أن هناك صفقة ما يتم الإعداد لها لكي يرتبط حصول المصريين علي مياه النيل بشرط وصول كميات محددة منها إلى الكيان الصهيوني، أولا وهو ما يعتبر تحكمًا من الجانب الصهيوني في سيادة مصر واستقلالية قرارها”.

وأكد المجلس عدم جدوى أي اتفاق ينكر الحقوق المصرية في حوار سد النهضة، وإن تم برعاية دولية أو إقليمية، واعتبر المشاركين بالتوقيع لا يمثلون مصر وشعبها بل يمثلون نظاما مغتصبا للسلطة.

Facebook Comments