تصاعدت الجرائم التي تقع في نطاق الأسرة الواحدة بشكل غير مسبوق خلال الفترة الأخيرة، حيث أقدم عامل في الجيزة على قتل ابنته ضربًا بسبب إثارتها المشاكل مع عمتها؛ لأن الأخيرة اقترضت من المجني عليها 200 جنيه .
كان إخطار يفيد بمقتل فتاة في العقد الثالث من عمرها، تبين أن والدها اعتدى عليها بالضرب حتى فقدت الوعى ولفظت أنفاسها الأخيرة.
وورد في محضر الشرطة، أن “خلافات نشبت بين المجنى عليها وعمتها، بسبب اقتراض الأخيرة مبلغ 200 جنيه من الأولى دون أن ترده إليها، مما خلق خلافًا بينهما تطور إلى مشاجرة”.
وأُشير في التحقيق إلى أن الأب تدخل للفض بين الطرفين واعتدى بالضرب على ابنته لتأديبها، حتى فقدت وعيها، فنقلها إلى المستشفى، وهناك تبين أنها قد فارقت الحياة.

جرائم أسرية
وخلال الفترة الماضية، طالعتنا الأخبار عن عشرات المآسى التى تكررت مؤخرًا داخل الأسر المصرية، كان بطلها الرئيسي الأزمة الاقتصادية، أو ضيق المعيشة وارتفاع تكاليف المعيشة، أو حتى الخلافات الشخصية البسيطة، حيث أنهى الموت والشروع فيه 3 زيجات، فيما تنوعت جرائم أخرى بين خلافات يومية ذات طابع مادى بحت.
أحد النماذج كان قبل أسابيع بمحافظة الشرقية، حيث تسبب العوز والحالة الاقتصادية وضيق ذات اليد في مقتل زوج على يد زوجته، بعد زواجٍ لم يدم سوى 60 يوما فقط؛ إذ أقدمت الزوجة على التخلص من حياة زوجها بطعنة نافذة بالقلب، داخل منزلهما بإحدى العزب التابعة للزقازيق. تبين من التحريات أن وراء ارتكاب الواقعة نشوب خلافات مادية بينهما انتهت بقيامها بطعنه.
ومطلع الأسبوع الماضي، ضبطت قوات أمن الانقلاب متهمًا في جريمة قتل زوجته؛ بسبب الخلاف على شراء ملابس ومستلزمات منزلية. وتبين من التحريات أن وراء ارتكاب الواقعة زوج المجني عليها، ويدعى “م. س” 30 سنة، مزارع، حيث تبين نشوب خلافات بين الزوجين يوم عيد الأضحى بسبب مستلزمات العيد وشراء ملابس جديدة، وتشابك الزوجان بالأيدي لتسقط الزوجة وقد فارقت الحياة.

ضغوط الحياة
ولم تكن تلك الحوادث الأولى ولن تكون الأخيرة، في سلسلة الجرائم الأسرية التى تطل علينا فى شبه دولة ”السيسي”، لتكشف أن المجتمع المصري أصبح يعاني أزمة كبيرة بعدما امتلأت صفحات الحوادث بالقتل والاغتصاب والانتحار وسفك الدماء.
وتزايدت في الأعوام الأخيرة جرائم القتل الأسرية داخل البيوت المصرية، حيث يعاني الكثيرون من جرائم متشابهة ومتكررة لأسباب متباينة، تكون نهايتها قتل الأب أو الابن أو الأم والأطفال.
أساتذة علم النفس والاجتماع أرجعوا انتشار الجرائم فى الأعوام القليلة الماضية إلى عدة أسباب، أهمها العوامل الاقتصادية والضغوط النفسية وضعف الوازع الديني.
وقالت الدكتورة سوسن فايد، أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية: إن هناك عوامل كثيرة ومتشابكة تجعل الفرد يُقدم على قتل أقرب الناس إليه، أهمها الجانب النفسي، وهو يرتبط بالعلاقات الاجتماعية فى محيط الأسرة، وهذا الجانب افتقدناه مؤخرا بسبب سعي رب الأسرة الدائم وراء توفير المال بالعمل طوال اليوم، وهذا على حساب أفراد أسرته، الذين يفتقدون الحميمية مع الأب والأم والأشقاء.
أما الدكتور إبراهيم عز الدين، أستاذ علم النفس والاجتماع بجامعة أكتوبر، فقال إن هناك عدة أسباب رئيسية فى زيادة الجرائم الأسرية، في الفترة الأخيرة، منها ضعف العلاقات الاجتماعية بين أفراد الأسرة الواحدة، وضعف الإيمان بالله والوازع الديني، والاختلال العقلي والنفسي والضغوط الاجتماعية والنفسية والظروف الاقتصادية وأبرزها الفقر، بالإضافة إلى إدمان المخدرات، وكذلك زيادة سرعة نمط الحياة والعداء بينهم، وأساليب التنشئة الاجتماعية وزيادة العنف فى الإعلام، وفقدان الروابط الأسرية.

زيادة الجريمة
فيما قالت الدكتورة إيمان عبد الله، خبيرة علم النفس، إن الجرائم قد تكون بسبب نفسى وتعرض الإنسان لضغوط نفسية واجتماعية تزيد من العنف، والغيرة والفصام والشخصية السيكوباتية، كلها أسباب لزيادة الجريمة؛ لأن الاضطرابات الشخصية تأتي بسبب الشعور بالرفض من قبل الأسرة.
وأضافت: “من أسباب زيادة الجرائم الأسرية ارتفاع معدﻻت الكثافة السكانية واﻻزدحام، وانتشار العنف فى المجتمع المصرى عبر وسائل الإعلام والدراما وتراجع الدور الثقافى فى المجتمع، لأن تسليط الضوء على الجرائم يؤكد زيادة نسبة معدﻻتها، بالإضافة إلى الانفلات الأخلاقى، وحرب الخلافات الأسرية والأفكار المغلوطة، وكذلك التفسير الخاطئ لمعنى الحرية، مما يتسبب فى حالة من عدم اﻻستقرار والعيش فى صراعات، علاوة على تراجع المؤسسات الدينية عن الدور الفعال لها وبشكل يناسب العصر الحالي، وأيضا الاستخدام السلبى والسيئ للتطور الإلكتروني، ووسائل اﻻتصال الحديثة.
ويشير الدكتور عبد الرحمن حماد، رئيس وحدة الإدمان بمستشفى العباسية للصحة النفسية إلى أن “هناك تزايدًا في حوادث القتل الأسري، وهذا يمكن أن يرصده أي شخص مراقب، ولكن هل وصل الأمر إلى حد الظاهرة، لا أستطيع أن أقول ذلك”.
ويضيف استشاري الطب النفسي وعلاج الإدمان: “لا يمكن أن يتم الاعتماد على تخصص واحد لتفسير تزايد هذه الحوادث، فالتفسير النفسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي وحده لا يكفي، ولكن يجب الاعتماد على كل التخصصات ذات الصلة للوصول إلى رؤية واضحة لأسباب تزايد هذه الجرائم”.
ويوضح أن “هناك صعوبات اقتصادية تواجه الأسر تزيد من ظاهرة العنف داخل المجتمع، وقد يرى البعض أن هناك تزايدا في الاهتمام بالأمن السياسي على حساب الأمن الاجتماعي. كل هذه الأسباب مطروحة ولا يمكن أن نعتبر أن سببا واحدا منها هو الذي أدى إلى تزايد هذه الجرائم”.
ويكشف الخبير الاقتصادي، وائل النحاس، عن مزيد من المظاهر التي حدثت فى الشارع المصري جراء الانهيار الاقتصادي في مصر، مؤكدا أن المواطن المصري تأثر سلبيا بما يسمى “الإصلاحات الاقتصادية”، والتي أدت إلى تآكلٍ في دخل المواطن وتردٍ في الخدمات ووقفٍ في عجلة الإنتاج والمقومات الحالية بها. لافتا، في تصريحات صحفية، إلى دور الأزمة الاقتصادية في “الجريمة العامة”، وهي ظاهرة جديدة على الأسرة المصرية بسبب التردي الاقتصادي. حيث أصبح هناك صراع بين أفراد الأسرة الواحدة، بسبب مستوى البطالة والنزاعات المالية والشخصية بين الرجل وزوجته، أو النزاع على ميراث أو ما شابه ذلك.

إحصاءات صادمة
وأكد “النحاس” أنه “كانت نسبة الجريمة فى داخل الأسر المصرية أقل قبل سنوات من الآن”. وكشف عن أن معدلات الجريمة فى 2006 كانت 2.7 جريمة فى اليوم، بينما تتحدث الإحصاءات التى صدرت فى 2016 عن أن معدل الجريمة أصبح 130% “القتل“، والسرقة بالإكراه 350%، ومعدل سرقة السيارات 500%، وترتيب مصر بين الدول هو الرقم الثالث عربيا والـ24 عالميًّا.
وأضاف: “هناك تردٍّ وزيادة في المعدلات، وكل هذه الأرقام يجب أن تتم بلورتها فى إطار الأزمة الطاحنة التى يعانيها المواطن المصري فى ظل ارتفاع الأسعار، وارتفاع معدلات البطالة والفساد، وأن العبء الاقتصادي على الأسرة أصعب من الأول، ما أدى لانحراف المؤشر لدى الأسر المصرية بالكامل”.
وأشار إلى أن عدد المجرمين “البلطجية” في مصر ارتفع إلى 92 ألفًا، وعدد “المسجلين خطر” ارتفع بنسبة 55%، وجرائم الخطف من أجل الفدية ارتفع من 107 حالات إلى 400 حالة العام الماضي، كما ارتفعت معدلات السرقة 4 أضعاف من 5 آلاف سرقة إلى أكثر من 21 ألف حالة.
الإحصاءات العالمية تؤكد أن معدلات الجريمة في مصر تضاعفت منذ 6 سنوات أو يزيد، حيث احتلت مصر المركز الخامس عربيًا، بعد دول؛ سوريا والصومال وليبيا والعراق، في مؤشر الجريمة العالمي لعام 2017، بحسب ما أكده التصنيف السنوي لقاعدة البيانات العالمية “نامبيو”، المعني بترتيب 125 دولة حسب معدل الجريمة فيها، مُشيرًا إلى أن مصر جاءت في المرتبة الـ38 عالميًا من حيث المعدلات المرتفعة لمستوى الجريمة بأشكالها المختلفة.
كما تؤكد الإحصاءات الحكومية ارتفاع معدلات الجرائم، حيث كشف تقرير لقطاع مصلحة الأمن العام، حول معدلات الجريمة فى مصر، ارتفاع معدلات الجرائم بشكل عام خاصة القتل والسرقة بالإكراه وسرقة السيارات، بعدما ارتفعت نسبة الزيادة فى معدل جرائم القتل العمد نحو 130%، أما معدلات السرقة بالإكراه فقد زادت بنسبة 350% بعد تسجيلها ألفين و611 جريمة، أما سرقة السيارات فقد زادت بنسبة 500%.