رغم أن مصر تزرع مساحات كبيرة من قصب السكر والبنجر، ورغم وجود مصانع ضخمة تستطيع إنتاج كميات من السكر تكفى الاستهلاك المحلى والتصدير إلى الخارج، إلا أنَّ سياسات العسكر تسببت فى إغلاق العديد من المصانع والاستغناء عن العمالة، بل وعزوف المزارعين عن زراعة هذه المحاصيل؛ بسبب المبالغ الضئيلة التى تدفعها لهم حكومة الانقلاب رغم تكلفة الإنتاج المرتفعة، ما أدى في النهاية إلى تراجع الإنتاج واستيراد السكر من الخارج لصالح جنرالات العسكر، الذين لا يهمهم خراب البلاد ولا استنزاف ثرواتها وتدمير مؤسساتها ومصانعها .

كان علي المصيلحي، وزير التموين والتجارة الداخلية الانقلابى، قد زعم أنّ أزمة أسعار القصب تكمن في توقيع مصر على اتفاقيات دولية مع الاتحاد الأوروبي والبرازيل برفع الجمارك نهائيا (زيرو جمارك)، وبالتالي من حق أي مستورد أن يستورد السكر من دون جمارك وفقًا لهذه الاتفاقيات، مدعيًا أنّ سعر السكر المستورد أقل من سعر المنتج المحلي، وهو ما يتطلب إعداد تشريع لفرض رسم وارد على السكر الأبيض المستورد من الخارج .

وأشار إلى أنّ سعر السكر انخفض عالميا، خلال الأشهر الستة الأخيرة، لارتباطه بسعر البترول، ووصل سعر طن السكر المستورد إلى 5996 جنيهًا، زاعما أنّ وزارته التزمت بالاتفاق الموقع مع وزارة الزراعة بشأن تحمل شركات السكر قيمة الفوائد المتأخرة على المزارعين، وزيادة “النولون” حماية للمزارع المصري، بحسب قوله.

يشار إلى أنّ زراعة القصب والبنجر تستحوذ على مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، ويعد قطاع صناعة السكر من القطاعات الضخمة في مصر، ويبلغ عدد مصانع سكر البنجر ٤ مصانع تابعة للقطاع الحكومي و٣ مصانع أخرى “قطاع خاص”، وهناك ٨ مصانع لإنتاج السكر من القصب في الصعيد.

الموسم الجديد

ووفقًا لإحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، فإن إجمالي المساحة المزروعة من القصب، عام ٢٠١٧، بلغت نحو ٣٢٦ ألف فدان، منها ١١٦ ألفًا و٦٠٠ فدان بمحافظة قنا، و٨٥ ألفًا و٥٠٠ فدان بأسوان، و٦٦ ألفًا و٧٠٠ فدان بالأقصر، و٣٨ ألفًا و٤٠٠ فدان بالمنيا و١٣ ألفا و٧٠٠ فدان بسوهاج، وبلغ إجمالي إنتاجية القصب من إجمالي المساحة نحو ١٥ مليونًا و٤٠٠ ألف طن قصب.

وبلغ إجمالى إنتاج السكر نحو ٢.٢ مليون طن العام الماضي 2018، لكن هذا القطاع الضخم يعاني من مشاكل كثيرة بعد رفع أسعار المحروقات، وارتفاع تكاليف الإنتاج، الأمر الذي يضع صناعة السكر المحلي في منافسة غير متكافئة مع المستورد الأقل سعرا منه .

وتوجد فجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك تبلغ 700 ألف طن سنويا بنسبة 15%، ولتغطية هذا الفارق الضئيل يتم فتح باب الاستيراد لسدة الفجوة بدون ضوابط وإغراق السوق المصرية بالمستورد، وبالتالي تعجز الشركات الوطنية عن تصريف منتجها، فتضطر للضغط على المزارعين بشراء المحاصيل بأسعار منخفضة لا توازي تكاليف زراعة قصب السكر والبنجر.

الأزمة بدأت تشتعل مع بداية الموسم الجديد في 22 ديسمبر الجارى، واستقبال المصانع للبنجر من الفلاحين، ورفض حكومة العسكر وضع ضوابط للاستيراد أو فرض رسوم إغراق لإنقاذ صناعة السكر .

وهذا الوضع المتردي يعصف بالمزارع الصغير، ويهدد ملايين الأسر التي تعيش على العمل والإنتاج في هذا القطاع بالضياع، حيث يبلغ حجم العاملين في زراعة البنجر فقط 70 ألف مزارع، بجانب آلاف الأسر التي تعيش على زراعة قصب السكر بالصعيد.

الدكتور أحمد أبو اليزيد، رئيس مجلس إدارة شركة الدلتا لبنجر السكر، برر ارتفاع سعر السكر المحلي عن المستورد، بأن تكاليف الإنتاج في الدول الأوروبية تختلف عن تكاليف إنتاجنا، فسعر الخامة المستخدمة في صناعة السكر أرخص في أوروبا عن مصر.

وقال أبو اليزيد، في تصريحات صحفية: إن هناك فرقًا في سعر بنجر السكر في أوروبا عن مصر 13 يورو للطن، أي أن سعر طن بنجر السكر في مصر أغلى من أوروبا بـ13 يورو.

مافيا الاحتكار

من جانبه قال أشرف عبد الونيس، قيادي عمالي بمصنع سكر إطسا بالقيوم: إن مافيا احتكار السكر تدمر الصناعة الوطنية، عن طريق السماح بإغراق السوق بالسكر الخام المستورد الأرخص سعرًا؛ من أجل إجبار الشركات على البيع بسعر منخفض .

وأوضح أنه لسد الفجوة بشكل صحيح، يجب على حكومة الانقلاب منع استيراد أي كميات تزيد عن الاستهلاك المحلى، حتى تتمكن المصانع المصرية من تحقيق الاكتفاء الذاتي عن طريق إنشاء مصانع جديدة ورفع كفاءة الموجودة حاليًا.

وأشار عبد الونيس، في تصريحات صحفية، إلى أن مصنع إطسا يعمل به ما يزيد على 15 ألف عامل بين دائم ومؤقت وموسمي، مؤكدًا أن المصنع ينتج خُمس إنتاج مصر من السكر بخط إنتاج واحد، كما ينتج 85 ألف طن علف حيواني سنويًّا.

وكشف عن أن هناك فائض إنتاجٍ حوالي 70 ألف طن من حجم الإنتاج البالغ 190 ألف طن سنويًّا تعجز الشركة عن تصريفه، مشيرًا إلى أن وزارة التموين بحكومة الانقلاب ترفض التعاقد مع مصنع إطسا، واستنكر رفع رسوم المرور على الطرق من جانب منافذ الشركة الوطنية لتحصيل الرسوم .

3 شهور فقط

وقال محمد البارودي، مهندس بمصنع سكر جرجا: إن المصنع ينتج حوالى نصف مليون طن سكر سنويا، لكنه يعانى من أزمات كثيرة، لدرجة أنه يعمل 3 شهور فقط فى السنة، مشيرا إلى أن المصنع كان يعمل به أكثر من 2000 عامل، ويحقق مكاسب كبيرة سنويًّا، لكن بسبب تقلص مساحات زراعة  القصب وتوقف الدورة الزراعية أصبح يورد لنا 500 ألف طن قصب فقط سنويًّا، ما أدى إلى انخفاض الإنتاج وتقليص عدد العمال للنصف، واتخاذ مجلس الإدارة قرارًا بوقف التعيينات، ما تسبب في عجز أعداد العاملين بالمصنع.

وأكد البارودي، في تصريحات صحفية، أن مراحل الإنتاج بالمصنع قديمة جدًّا، ولم يتم تطويرها منذ عقود، وبالتالي لا تستطيع العمل طوال السنة .

وأضاف أن إنتاجية  السكر انهارت تماما خلال السنوات الأخيرة، وبرغم وجود 20 مهندسا بالمصنع و12 فنيًّا و10 إداريين و950 عاملا، لكن المصنع لا يعمل إلا ثلاثة شهور في السنة فقط .

Facebook Comments