“لا بد أن أحدا ما هناك بالخارج يشعر بنا”، هنا تقتل الإنسانية بلا رحمة وتنقطع الأنفاس بعد تلك العبارة اليائسة، كما انقطعت من صدر “عصام دربالة” و”فريد إسماعيل” وغيرهم، والباقون في قوائم الانتظار حيث يجثم الموت على الأنفاس التي تضعف تحت سياط الشتاء القارص، وقد نحلت الأجسام، ومرضت وضاقت النفوس وعذبت الأبدان وسحلت وعلقت وانتهكت آدمية المصريين.

تفوق سجن “العقرب” في مصر على سجن الباستيل، والذي لم يعتقل فيه إلا العشرات ولم يقتل فيه معتقل واحد، بل إنه تفوق في التعذيب والإجرام على سجن “جوانتانامو” الأمريكي الشهير في كوبا، علماً أن إجمالي من إعتقلوا في “جوانتانامو” لم يتجاوز الـ 779 سجينا، ولم يقتل فيه معتقل واحد من الجوع والبرد، مع أن السجان والسجين لا جنسية ولا دين يجمع بينهما، أما سجن عقرب مصر فيقتل فيه العشرات ومازالوا والعالم يكتفي بالمشاهدة!

وشهدت زنازين سجون الانقلاب وفاة ضحية جديدة من المعتقلين المصريين بسبب الإهمال الطبي، والبرد القارس، وسوء التغذية، ومنع العلاج، وأكد حقوقيون ومحامون مصريون، وفاة الصحفي المعتقل محمود عبدالمجيد محمود صالح (46 عاما)، بسجن “العقرب” شديد الحراسة.

تقول إيمان الغنيمي، ابنة مصطفى طاهر الغنيمي، عضو مكتب الإرشاد في جماعة الإخوان المسلمين، المعتقل في سجن العقرب قائلة: “عرفنا أنه قد تم إيداع د. مصطفى طاهر الغنيمي، والبالغ من العمر (65 عاما)، في زانزانة التأديب في سجن العقرب سيئ السمعة، إثر مشادة كلامية بينه وبين ضابط الأمن الوطني مروان حماد. مع العلم أن والدي يعاني من القلب، وكفاءة القلب منذ 4 سنوات 45 بالمائة، ويتعرض لأزمات قلبية حادة، كما أنه أصيب بمياه بيضاء في عينيه وتم منعه من إجراء الجراحة لإزالتها، رغم أننا طلبنا أن نجري له العملية على نفقتنا الخاصة داخل السجن، وأصيب بالتهاب الكبدي الوبائي c منذ 3 أشهر ولا نستطيع إدخال أدوية الفيروس”.

فكرة أمريكية

ومع هاشتاج “#البرد_قرصة_عقرب” عاد اسم السجن شديد الحراسة المعروف بـ”العقرب” أو “992”، الذي خصصه جنرال إسرائيل السفيه عبد الفتاح السيسي، لقيادات العمل الثوري وأنصار الشرعية ورافضي الانقلاب وقيادات جماعة الإخوان المسلمين، للظهور بقوة مؤخرا. ووفق خبراء حقوقيون فإن فكرة إنشاء السجن أمريكية، وتم تنفيذها بأياد مصرية، وتم اقتراح فكرة سلسلة السجون شديدة الحراسة بعد عودة مجموعة من ضباط الشرطة من بعثة تدريبية في الولايات المتحدة، فيما اعتبرتها الداخلية فكرة خلاقة، وكافية لسد ما اعتبرته عجزا في سياستها القمعية والإجرامية أيام المخلوع مبارك.

وإنشاء السجن بدأ عام 1991، في عهد اللواء حسن الألفي، وزير الداخلية الأسبق، ومجموعة من مساعديه، بينهم اللواء حبيب العادلي، مساعد الوزير لشؤون أمن الدولة آنذاك، وتم تجهيز هذه الأفكار الأمريكية ووضعها على أولوية التنفيذ الفوري، واستغرق بناء السجن عامين، حيث تم الانتهاء منه في 30 مايو 1993. وكل عنبر ينفصل بشكل كامل عن باقي السجن، بمجرد غلق بوابته الخارجية المصفحة، فلا يتمكن المعتقلون حتى من التواصل عبر الزنازين، كما يفعل المساجين في السجون العادية، نتيجة الكميات الهائلة من الخرسانة المسلحة التي تمنع وصول الصوت، ويعرف سجن العقرب بأنه سجن المعتقلين السياسيين وبقسوة المعاملة والانتهاكات المستمرة بشهادة المنظمات الحقوقية.

وسارعت مصلحة السجون بعد انقلاب 30 يونيو 2013، إلى ابتكار نظام الغرف الزجاجية خلال الزيارة، ويتم التحدث عبر التليفونات أثناء الزيارة، بحجة منع صدور تكليفات من داخل السجون إلى خارجها، لأن تلك الزيارات تكون في وجود ضباط للتنصت والمراقبة.

ودشن عدد من النشطاء والسياسيين حملة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تحت شعار «البرد قرصة عقرب»، تضامنًا مع المعتقلين السياسيين بسجن العقرب، وتهدف الحملة إلى تسليط الضوء على معاناة المعتقلين السياسيين، وما تقوم به إدارة السجن من استخدام للطقس والمناخ كسلاح ضدهم، الأمر الذي تسبب لهم في أمراض متعددة، ضمن آليات سلطة الانقلاب للقتل البطيء. ولفت أحد القائمين على الحملة إلى أنهم يسعون من خلالها إلى إحداث حالة من التضامن الواسع، والمشاركة الوجدانية، من قبل المصريين وغيرهم من أحرار العالم، مع المعتقلين في السجون المصرية بشكل عام، ومعتقلي العقرب بشكل خاص.

وطالب القائمون على الحملة التي تستمر عشرة أيام بدأت من الجمعة 3 يناير الجاري، تصوير فيديو شخصي ونشره على مواقع التواصل، للتعبير عن الإحساس بمعاناة المعتقلين، ونشر شعار الحملة والتدوين من خلال الوسوم الخاصة بها (#البرد_قرصة_عقرب) و(#ScorpionPrison) ودعوة جميع الدوائر على مواقع التواصل للتفاعل مع الحملة والمشاركة في فعالياتها.

وفي هذا السياق، يقول الإعلامي والمعتقل السابق بالعقرب، مسعد البربري، إن معاناة معتقلي سجن طرة شديد الحراسة تصل بهم إلى حد القتل، ولا يتوقف الأمر عند الشعور بالبرد فقط نتيجة طبيعة السجن وانخفاض درجات الحرارة وإنما يتجاوز ذلك للإصابة بالعديد من الأمراض القاتلة.

ويشير إلى أن عنابر السجن الأربعة (العنصر والتأديب والمخصوص والعزل)، جميع من يقبع بها من المعتقلين يعيش أوضاعا غير إنسانية، لا يمكن تصورها بحجمها الحقيقي إلا لمن مر بها، فهي في الحقيقة أسوأ من أي وصف متداول في الخارج. ويشدد البربري على أهمية هذه الحملات في الضغط للتخفيف على معتقلي العقرب وغيره من سجون الانقلاب، حتى يسمح لهم بدخول أغطية وملابس تخفف عنهم شيئا من تلك المعاناة المستمرة، لافتا إلى أن أحد عوامل تضاعف معاناة معتقلي العقرب شتاء كون أغلب عنابره انفراديا.

القتل بالبرد القارس

من جهته يقول الباحث الحقوقي أحمد العطار، إن “فقدان العدالة وموت الإنسانية أبسط ما يقال عما يجرى بسجن العقرب من إجراءات انتقامية لا تمت للقانون ولا للإنسانية بصلة”.

العطار، أكد أن “الانتهاكات مستمرة للعام السابع على التوالي، مع استمرار السلطات مع سبق والإصرار والترصد على جريمة الإبادة الجماعية بحق نزلاء العقرب، في ظل غياب المساءلة والمحاسبة على ما تقوم به بشكل ممنهج ودوري وسط تأييد ودعم أجهزة الدولة التنفيذية والقضائية والنيابية لإدارة السجون”. مشيرا إلى زيارة النيابة العامة، ونيابة أمن الدولة العليا، والمجلس القومي لحقوق الإنسان (حكومي)، وأعضاء من البرلمان للسجون مؤخرا، وإشادتهم للإعلام بما رأوه من إجراءات، مشدّدا على أنهم “يعلمون جيدا أنها كاذبة ولا تمت للواقع بصلة ما يُعد مشاركة منهم بجرائم الإبادة الجماعية لمعتقلي العقرب”.

ولكن، لماذا عقاب معتقلي العقرب بالذات؟، يعتقد الحقوقي أن “العقرب أسوأ سجن مصري على الإطلاق من حيث الإجراءات والتصميم والتوحش الأمني؛ لذا قامت السلطات بعزل وحصار غالبية قيادات جماعة الإخوان المسلمين والتيار الإسلامي به، بغرض الانتقام السياسي”، وختم بالقول: “في غياب دولة القانون وغياب العدالة وتواطؤ أجهزة الانقلاب فإن ما يحدث بالعقرب هو قتل مع سبق الإصرار والترصد”.

وإذا كانت العقارب ترتبط في أذهان من يقرأ عنها بالخوف والحذر واللدغ والسم والموت، فإن سجن العقرب في مصر لا يختلف كثيرا إن لم يزد، فالداخل إليه مفقود والخارج منه مولود، والقابع فيه يتعرض لموت بطيء خلف زنازينه المظلمة الصماء، وبواباته الحصينة السوداء، وتتجاوز صور التعذيب داخله معتقل غوانتانامو، رغم أن الاثنين إفراز عقلية واحدة.

Facebook Comments