رغم تلكؤ النظام الانقلابي بقلة الموارد المالية وتقليص برامج الحماية الاجتماعية، وإلغاء مسابقة تعيين المعلمين الأخيرة، واستبدال نظام التطوع بها، توفيرا للنفقات رغم النقص الحاد بأعداد المعلمين، ما يؤثر سلبا على العملية التعليمية برمتها.. ورغم كل ذلك وبعيدًا عن القواعد التوظيفية المعمول بها، كشفت مصادر حكومية مطلعة عن أنّ شهر فبراير الحالي، شهد تعيين نحو 140 من خريجي البرنامج الرئاسي والأكاديمية الوطنية للشباب، في وظائف إدارية وفنية عالية المستوى بوزارات الصحة والتعليم والبترول والاتصالات، وشركات بترول مختلفة مملوكة للدولة، وفي الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، والجهاز المركزي للمحاسبات والرقابة الإدارية، والهيئة العامة للاستعلامات، وفي مناصب بمحافظات القاهرة والإسكندرية وبني سويف وأسوان والدقهلية.

غرس شيطاني

ويأتي التعيين السري لغرس السيسي الشيطاني، في وقت يحاول فيه السيسي تخفيض عدد العاملين في الجهاز الإداري للدولة، ويتبع النظام الحاكم آليات مختلفة لإرغام الموظفين في جميع القطاعات الخدمية على الاستقالة، خصوصا في القطاعين الصحي والتعليمي.

حيث تبادر المخابرات العامة، باعتبارها جهة الإدارة الفعلية للبرنامج الرئاسي لإعداد الشباب للقيادة، والأكاديمية الوطنية للتدريب، لتعيين العشرات من خريجي البرنامج والأكاديمية في وظائف حكومية مرموقة، سواء في المؤسسات الرقابية أو دواوين الوزارات، بهدف توسيع قاعدة العاملين الإداريين الموالين للنظام.

ووفقا لاستراتيجية التنمية المستدامة 2030 التي أعلنها السيسي قبل عامين، تعوّل الحكومة على اتّباع آلية التقاعد المبكر المذكورة في قانون الخدمة المدنية الجديد، مع حظر التعيينات الجديدة نهائيا، إلا في صورة تعاقدات مؤقتة كالتي ترغب وزارة التعليم في تطبيقها، أو عقود استشارية مؤقتة، أو في الجهات ذات الطابع الاستثنائي التابعة لرئاسة الجمهورية، للتخلص من 50% على الأقل من الرقم المراد تخفيضه، وهو مليونا موظف، حتى يصل الجهاز الحكومي لحوالي 3 ملايين و900 ألف موظف فقط بعد عامين، علما أنّ العدد الحالي للموظفين هو 5 ملايين و800 ألف موظف تقريبًا: 5 ملايين في الجهاز الإداري الأساسي، و800 ألف يتبعون لقطاع الأعمال العام المكوّن من الشركات القابضة والتابعة التي تديرها الحكومة وتسهم فيها مع مستثمرين آخرين.

وبحسب تقارير إعلامية، يأتي تصعيد شباب برنامج وأكاديمية السيسي في هذا التوقيت تحديدا، لتأكيد استمرار النفوذ الكبير لمدير المخابرات العامة اللواء عباس كامل، ومساعده المقدم أحمد شعبان، خصوصا بعدما راجت شائعات واسعة في الآونة الأخيرة عن إبعاد الأخير رفقة نجل السيسي محمود، في مقابل اتساع نفوذ مدير مكتب الرئيس اللواء محسن عبدالنبي، الذي كان كامل قد اختاره لهذا المنصب خلفا له.

وكان جميع نواب المحافظين الذين تمّ تعيينهم في حركة التغيير الأخيرة في نوفمبر الماضي، من بين خريجي الأكاديمية الوطنية للتأهيل والتدريب، بينما يتحدر معظمهم من البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة، وهما المشروعان اللذان يديرهما شعبان، وكذلك من المجموعة التي تعرف باسم “تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين” التي يديرها شعبان أيضا، وكل ذلك بإشراف مباشر من عباس كامل.

فيما أصبح برنامج السيسي لتأهيل الشباب متقاطعا في العامين الأخيرين مع الدورات العسكرية والاستراتيجية التي يخضع لها في الأكاديمية الوطنية للشباب جميع المرشحين للعمل بجميع وحدات الجهاز الإداري والقضاء.

وذكرت المصادر أنّ خطة المخابرات قائمة على أنّ الوقت بات مناسبا لإحكام السيطرة على الجهاز الإداري للدولة، في ظلّ حالة النزوح الجماعي للموظفين خارج الجهاز نتيجة التضييق عليهم واتباع آليات جديدة لدفعهم للاستقالة، كالمراقبة الأمنية والتحريات عن الأقارب والأصدقاء، ومنع الإعارات والعمل الإضافي. وكل ذلك بهدف الدفع بأجيال جديدة موالية للسيسي وحده، وليست محسوبة على أي عهد سابق، وخصوصا أنّ الدفع بعدد من خريجي الأكاديمية، والبرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة، الذي تمّ تدشينه قبل 4 سنوات، في مناصب عدة، مثل مساعدي المحافظين والمتحدثين باسم بعض الوزراء وفرضهم على دواوين عدد من الوزارات كمراقبين، مثل ضباط الرقابة الإدارية الذين تمّ توزيعهم على تلك الدواوين، كان يهدف في الأساس لأن تكون لتلك الكوادر أولوية في قيادة الوزارات بعد سنوات معدودة.

ومن بين المناهج التي يدرسها شباب السيسي في البرنامج والأكاديمية، دراسات عن حروب الجيل الرابع، واستهداف القوى العالمية لمصر، ومكافحة الإرهاب، ومحاربة التيارات الإسلامية، والتطوير الإداري، والتخطيط السياسي والمالي، والقانون الدولي، والإدارة المحلية، و”الإتيكيت” والمراسم.

يذكر أنه في عام 2018، أتمّ رئيس هيئة الرقابة الإدارية، اللواء شريف سيف الدين، إجراءات تعيين دفعة جديدة من ضباط الرقابة الإدارية، ضمّت العشرات من خريجي أكاديمية الشباب والبرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة، ضمن أول دفعة تعيينات بالهيئة لا تقتصر على ضباط الجيش والشرطة، وذلك بعد إجراء تحريات أمنية ورقابية مكثفة عنهم وعن عائلاتهم، لتضم الهيئة بذلك ضباطا من خريجي الكليات المدنية، للمرة الأولى في تاريخها.

واعتمدت التعيينات الجديدة للرقابة الإدارية على القانون الجديد للهيئة الذي صدر في عهد رئيسها السابق، محمد عرفان، الذي أجاز للمرة الأولى تعيين أعضائها من خارج الجيش والشرطة، كما استثنى الهيئة من اتباع الإجراءات المعمول بها للإعلان عن الوظائف في الأجهزة الحكومية المختلفة، بحيث يتم التعيين من دون إعلانات مسبقة أو إجراء مسابقات تحظى ببعض سمات الشفافية.

وتعبر الخطوات السابقة عن مخاوف جمة وتخوين شديد بين قيادات النظام الحاكم وقيادات الدواوين الحكومية الموجودين منذ عهد مبارك.

يشار إلى أن الدولة العميقة لعبت أدوارا قذرة في مواجهة ثورة يناير وفي عهد الرئيس الشهيد محمد مرسي، الذي جابهته برفض خططه الإصلاحية والتطويرية، وتعقيد الإجراءات من أجل نزع فعاليات الإصلاح السياسي والاقتصادي والإداري في دولاب العمل الحكومي، وهو ما كان يستخدمه السيسي وأركان انقلابه، لضرب الثورة المصرية في مقتل على خلاف الواقع وبعيدا عن الإنجاز ليظل الشعب كافرا بأي تغيير ووقف لفساد أجهزة الحكم المتوارثة من عهد عبد الناصر.

وتصطدم تلك التعيينات السرية مع حقوق المواطن المصري المطحون الذي تتزايد معاناته في قطاعات التعليم والصحة والإدارة المحلية والأوقاف وغيرها من الوزارات التي يفرض عليها السيسي إجراءات تقشف وتقليص ميزانيات موازاة مع التوسع في ميزانيات الجيشش والشرطة والرئاسة وغيرها، لتنقسم الدولة المصرية إلى شعبين ومجتمعين: مطحون ومنعّم.

Facebook Comments