مرت، الثلاثاء 8 ديسمبر الجاري، الذكرى السنوية للانتفاضة الفلسطينية الأولى أو انتفاضة الحجارة، والتي سمّيت بهذا الاسم لأن الحجارة كانت أداة الهجوم والدفاع التي استخدمها المقاومون ضد دبابات الاحتلال ومدرعاته، كما استخدم الفلسطينيون الحجارة في وجه الرصاص والقنابل الصهيونية رفضا للانصياع لارادة المحتل الصهيوني.
اللافت أن هذه الانتفاضة فجرها أطفال، حيث عُرف الصغار من رماة الحجارة بأطفال الحجارة. والانتفاضة شكل من أشكال الاحتجاج العفوي الشعبي الفلسطيني على الوضع العام المزري بالمخيمات وعلى انتشار البطالة وإهانة الشعور القومي والقمع اليومي الذي تمارسه سلطات الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين.
على الصعيد العربي، لم يكن القادة العرب يأبهون بما كان يحدث للفلسطينيين – بعكس المثقفين والشعوب العربية – وهو ما كان وراء خيبة هؤلاء من القمم العربية التي كان تضع القضية الفلسطينية في آخر اعتباراتها، وحتى عندما تناقشها فلم تكن تقدم لها أية حلول.
بدأت الانتفاضة يوم 8 ديسمبر 1987، وكان ذلك في جباليا، في قطاع غزة. ثمّ انتقلت إلى كل مدن وقرى ومخيّمات فلسطين. ويعود سبب الشرارة الأولى للانتفاضة لقيام سائق شاحنة إسرائيلي بدهس مجموعة من العمّال الفلسطينيّين على حاجز «إريز»، الذي يفصل قطاع غزة عن بقية الأراضي الفلسطينة منذ سنة 1948م، حيث قتل 4 فلسطينيين وأصيب آخرون، وخلال جنازة الشهداء رشق الفلسطينيون موقعا لجيش الاحتلال بالحجارة والمولوتوف، حيث طلبت قيادة الموقع الدعم من جيش الاحتلال؛ وكان ذلك سبب اندلاع الانتفاضة.
هدأت الانتفاضة في العام 1991، وتوقفت نهائياً مع توقيع اتفاقية أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية عام 1993م. يُقدّر أن 1,300 فلسطيني استشهدوا أثناء أحداث الانتفاضة الأولى على يد الجيش الإسرائيلي، كما قتل 160 إسرائيليّا على يد الفلسطينيين. بالإضافة لذلك يُقدّر أن 1,000 فلسطيني يُزعم أنهم متعاونين مع السلطات الإسرائيلية قتلوا على يد فلسطينين.
ولادة حماس
وشهدت الانتفاضة ميلاد حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، حيث جرى توزيع البيان الأول لحركة حماس في غزة يوم 11 ديسمبر 1987م والذي وصف الانتفاضة بالثورة الشعبية الفلسطينية. وأطلق البيان لفظ "الانتفاضة" على التظاهرات العارمة التي انطلقت. قال البيان: "جاءت انتفاضة شعبنا المرابط في الأرض المحتلة، رفضاً لكل الاحتلال وضغوطاته، ولتوقظ ضمائر اللاهثين وراء السّلام الهزيل، وراء المؤتمرات الدولية الفارغة".
الانتفاضة اندلعت بعد ذلك بسبب تضافر عدة أسباب. أبرزها الرفض الشعبي العارم للاحتلال الصهيوني، وثانيا تردي الأوضاع الاقتصادية في المناطق المحتلة. وثالثا لجعل القضية الفلسطينية في صدارة الأحداث العالمية بعدما تعرضت للإهمال والتجاهل من جانب المجتمع الدولي والعربي في أعقاب اتفاقية كامب ديفيد التي دفعت مصر بكل ثقلها إلى حظيرة الاحتلال.
على الصعيد القيادي، لم تكن القيادة الفلسطينية في المنفى على علم كامل بأوضاع الفلسطينيين في الداخل ولا بمعاناتهم ولم تكن تطرح الحلول لمساعدتهم. وكانت منظمة التحرير في تونس تعمل على إنشاء محور عمان-القاهرة لحماية ياسر عرفات عوض العمل على إيجاد حل لقضية اللاجئين أو الفلسطينيين. كما احتلت إسرائيل القدس سنة 1967 ثم أعلنتها عاصمة أبدية لها.
مطالب الانتفاضة
سعى الفلسطينيون عبر الانتفاضة إلى تحقيق عدة أهداف يمكن تقسيمها إلى ثوابت فلسطينية ومطالب وطنية:
ثوابت فلسطينية: إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس وتمكين الفلسطينيين من تقرير مصيره. تفكيك المستوطنات. عودة اللاجئين دون قيد أو شرط. تقوية الاقتصاد الفلسطيني: تمهيدا للانفصال عن الاقتصاد الإسرائيلي.
المطالب الوطنية: إخلاء سبيل الأسرى الفلسطينيين والعرب من السجون الإسرائيلية. وقف المحاكمات العسكرية الصورية والاعتقالات الإدارية السياسية والإبعاد والترحيل الفردي والجماعي للمواطنين والنشطاء الفلسطينيين. لم شمل العائلات الفلسطينية من الداخل والخارج. وقف فرض الضرائب الباهظة على المواطنين والتجار الفلسطينيين. وقف حل هيئات الحكم المحلي المنتخبة من مجالس بلدية وقروية ولجان مخيمات. إتاحة المجال أمام تنظيم انتخابات محلية ديموقراطية للمؤسسات في البلاد. وقف ارتكاب ما يتعارض مع العادات الفلسطينية.
مثلت الانتفاضة فشلا للجهاز القيادي الإسرائيلي الذي لم يكن منتبها إلى الغليان الفلسطيني بالرغم من التحذيرات التي أبداها عدد من السياسيين كوزير الخارجية السابق أبا إيبان الذي كتب في نوفمبر من عام 1986، أي قبل سنة من الانتفاضة: "إن الفلسطينيين يعيشون محرومين من حق التصويت أو من حق اختيار من يمثلهم. ليس لديهم أي سلطة على الحكومة التي تتحكم في أوضاعهم المعيشية. إنهم يتعرضون لضغوط وعقوبات ما كان لهم أن يتعرضوا لها لو كانوا يهودا ..هذه الحالة لن تستمر دون أن يؤدي ذلك إلى انفجار".

عندما فشل الجيش الصهيوني النظامي في مواجهة الانتفاضة، استنجد بحرس الحدود من أجل إخماد الثورة الشعبية. ويُعرف عن حرس الحدود كونهم قادرين على التحكم بالحشود الضخمة كما يُعرفون بعنفهم. ثم أن متوسط أعمارهم يترواح بين 35 و 40 سنة ولديهم بالتالي خبرة كبيرة. تم اللجوء أولا إلى اللواء رقم 20 و 21 الذين قاما بمراقبة الحدود بين إسرائيل ولبنان خلال غزو لبنان عام 1982. ولكن تدخل حرس الحدود لم يغير شيئا على أرض الواقع. ومما صعب مهمتها أنه لم يكن يسمح لهم بإطلاق النار إلا إذا هوجموا من قبل أشخاص تزيد أعمارهم عن 12 سنة. ثم إن الرصاص يُطلق أولا على ارتفاع ستين درجة وفي حالة الخطر يطلق على الأرجل. ولكن هذه القواعد لم تحترم في أغلب الأحيان. وفي أكتوبر من عام 1988 أعلنت الحكومة الإسرائيلية عن وجود وحدتين جديدتين في القطاع والضفة الغربية متكونتين من أشخاص يتقنون العربية ومتخفين في ملابس مدنية وتتلخص مهتهم في التغلغل داخل المقاومة الفلسطينية.
تحرير القطاع
وأسفر التطور النوعي للمقاومة الفلسطينية وتحولها من انتفاضة حجارة إلى عمليات استشهادية ثم هجمات مسلحة ضد مواقع العدو إلى اندلاع انتفاضة الأقصى سنة 2000م وهو ما كان يمثل تعبيرا عن حالة الفشل التي مني بها اتفاق أسلو حيث كان مقررا أن تقوم الدولة الفلسطينية سنة 1999م لكن هذا لم يحدث لأسباب تتعلق بنقض اليهود للعهود كعادتهم، وبعد التخلص من ياسر عرفات وتعيين محمود عباس أبو مازن رئيسا للسلطة الفلسطينية وأمام هجمات المقاومة المسلحة في غزة والتي قادتها حركة المقاومة الإسلامية حماس وحركة الجهاد الإسلامي، قرر الاحتلال الانسحاب من غزة لكنه فرض عليها حصارا بريا وبحريا بدعم مباشر من نظام حسني مبارك وحاليا من نظام الطاغية عبدالفتاح السيسي. وبعد التحرير لا يزال القطاع يتطلع إلى فك الحصار الظالم وصولا إلى تحرير كل فلسطين من الاحتلال الذي لا يعترف إلا بلغة القوة.

Facebook Comments