تتبع الآلة الإعلامية للنظام العسكري في مصر بكل أدواتها الفضائية والصحفية نهجا انتقائيا حول التقارير المنشورة عن مصر في الصحف الأجنبية؛ حيث تبدي اهتماما مبالغا فيه إذا وجدت تقريرا يشيد بالأوضاع في مصر، وما أقل هذه النوعية من التقارير التي تبدو شاذة وخارجة عن السياق! بينما تلتزم جميع وسائل الإعلام التابعة للعسكر أو تلك التي تنشر من مصر جميع التقارير التي تنتقد الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية وما أكثرها!
آخر هذه المواقف التزام جميع وسائل الإعلام التي تهيمن عليها المخابرات وأجهزة السيسي الأمنية، الصمت حيال التقرير الذي نشرته مجلة "جون أفريك" التي تصدر بالعاصمة الفرنسية "باريس" حول "محمود" نجل الطاغية عبدالفتاح السيسي، رئيس الانقلاب العسكري، والذي وصفته المجلة بالقوة السوداء لوالده والباني الحقيقي لسياسته القمعية «قائد أوركسترا القمع».

أبعاد مهمة

تقرير مجلة "جون أفريك" يتناول عدة أبعاد مهمة تكشف عن الدور الذي يقوم به السيسي الابن حاليا والدور المنتظر له مستقبلا وفق المخططات التي رسمها والده.
أولا، التأكيد على أن مصر ـحالياـ تحيا في ظل جمهورية الخوف، حيث أشارت المجلة إلى أن محرريها وجدوا صعوبة بالغة في استنطاق المصريين عن وضعية نجل السيسي؛ حيث رفض غالبيتهم الحديث مع محرري المجلة خوفا من البطش والقمع الأمني. تقول المجلة: «هذا ما تم تحذيرنا منه عند محاولة البحث عن محمود السيسي، الابن الأكبر للرأس الكبير في مصر، حيث بدا أن جميع أبواب القاهرة تغلق بخوف، كما أن الوعد بعدم الكشف عن هويته لم يعد ضماناً كافياً لذكر أي شيء بخصوص هذا الشاب البالغ من العمر 38 عاماً، والذي يمكن عدّ صوره على أصابع يد واحدة، وهو أحد أقوى رؤساء الأجهزة الأمنية في الديكتاتورية العسكرية».
ثانيا، التركيز على وضع أبناء السيسي في مناصب بالغة الحساسية في أجهزة الدولة "السيادية" والترقيات الاستثنائية التي حصل عليها السيسي الابن داخل جهاز المخابرات العامة في طريق تصعيده للسيطرة على مفاصل السلطة في مصر، واعتبرت المجلة ذلك دليلا على أن السيسي يمضى على خطى سابقيه كحسني مبارك الذي كان يعد نجله لوراثة الحكم قبل الإطاحة به في ثورة يناير 2011م. كما أن السيسي يمضي على خطى دكتاتور آخر هو الجنرال خليفة حفتر في شرق ليبيا والذي وضع المقربين منه على رأس الأجهزة لحماية ظهره. فمحمود وصل إلى رتبة عميد داخل المخابرات العامة، ومصطفى له وضعية مميزة داخل جهاز أمني آخر هو الرقابة الإدارية، بينما جرى نقل حسن من شركة بترول إلى جهاز المخابرات العامة وسط ظروف غامضة.
هالة من السرية

ثالثا، الإشارة إلى أن نجل السيسي يحيط نفسه بهالة من السرية؛ فصوره شحيحة على وسائل الإعلام، وفي يناير 2018 رافق خالد فوزي رئيس المخابرات وقتها إلى واشنطن للقاء بعض المسئولين في إدارة أوباما. ولم تظهر صوره إلا في 2016 على الشاشات الإيطالية بناءً على تسريبات إيطالية تربطه باغتيال جوليو ريجيني" الذي عثر على جثته في فبراير 2016م وعليها آثار تعذيب وحشي. وتوكد المجلة أنه "من الصعب تصديق أن نجل السيسي لم يكن على علم بتحركات ريجيني حتى قبل اختفائه". وفي عام 2018، حدّد محققون إيطاليون خمسة مشتبه بهم، جميعهم أعضاء في الجهاز الذي كان محمود السيسي مسؤولاً فيه عن التجسس المضاد وقت الجريمة، لكن في يونيو 2020، اعترف رئيس الوزراء الإيطالي نفسه "بالقلق من بطء عملية تعاون مصر مع ايطاليا في هذا الملف".
رابعا، التأكيد على أن السيسي الأب يعد نجله "محمود" ليكون وريثا لحكم مصر من بعده، وذلك على خطى مبارك مع نجله جمال، وانتهت المجلة إلى أن نجل السيسي في حقيقة الأمر هو من يقود أوركسترا القمع في مصر لحماية نظام والده الذي اغتصب السلطة منتصف 2013م من السقوط. كما اعتبرته الوريث الذي يعده السيسي الأب لخلافته في الحكم على غرار ما كان يريد مبارك مع نجله جمال. واستدلت المجلة على ذلك بالتقرير الذي نشره موقع "القاهرة 24" لتبييض صورة السيسي الابن إلى حد الزعم بأنه أحد ثوار 25 يناير 2011م التي أطاحت بالرئيس الأسبق حسني مبارك. لكن المجلة تشكك في ذلك مستدلة بالحملة القمعية على نشطاء الثورة والتي نقذتها أجهزة السيسي الأب والتي يرأسها السيسي الابن. وقالت المجلة: إذا لم يكن يخطط لجعل محمود خليفة له، فهل سيستخدم المشير السيسي أبناءه كما يفعل جاره وحليفه الليبي، المشير خليفة حفتر، الذي وضع خمسة من رجاله في مناصب رئيسية في نظامه، ليحمي نفسه من الضربات الداخلية أكثر من خلافته؟ وربطت المجلة بين مخططات توريث الحكم للسيسي الابن بالمناصب الحساسة التي يتولاها باقي أبناء السيسي من جهة، والإطاحات التي جرت لقادة بالجيش والشرطة منذ منتصف 2013م ولنحو 47 قيادة مخابراتية بين عامي 2014 و2017م، ثم وضع عباس كامل على رأس الجهاز، حيث يعد أحد أكثر الرجال خدمة وولاء للسيسي.

Facebook Comments