تسود حالة من القلق في أوساط حكومة الانقلاب العسكري في مصر بعد الأنباء التي تأكدت حول تحركات قانونية تقوم بها أسرة الباحث الإيطالي جوليو ريجيني الذي عثر على جثته في أوائل شهر فبراير 2016م وعليها آثار تعذيب وحشي بعد اختطافه من جانب أجهزة الديكتاتور عبدالفتاح السيسي الأمينة يوم 25 يناير 2016.
وبحسب وسائل الإعلام الإيطالية، فإن والدي ريجيني رفعا دعوى قضائية ضد الحكومة الإيطالية، بسبب بيعها الفرقاطتين العسكريتين لحكومة الانقلاب بمصر "في انتهاك واضح للقانون". ويُعتبر بيع الأسلحة إلى البلدان التي ارتكبت "انتهاكات جسيمة للاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، التي أكدتها هيئات الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي" محظور بموجب القانون الإيطالي رقم 185 لعام 1990. ولهذا السبب، فإن والدي جوليو ريجيني، باولا وكلاوديو قدما مع محاميهما أليساندرا باليريني، شكوى ضد الحكومة الإيطالية لدى مكتب المدعي العام في روما.
وقالت صحيفة "لا ريبابليكا" الإيطالية إن التحرك القوي من قبل أسرة ريجيني الذي أُعلن عنه في الأيام الأخيرة، أصبح الآن رسمياً أمام قضاة التحقيق في الوفاة. وتم تقديم الشكوى، في سياق الإجراءات الجنائية التي فتحها مكتب المدعي العام في روما بشأن مقتل جوليو ريجيني. وتدور حول قرار الحكومة بيع فرقاطتي "فريم" الإيطاليتين إلى الحكومة المصرية. تم تسليم أولها في 23 ديسمبر2020م.
ووفقا للمحامي باليريني فإن القانون 185/90 ينص في المادة الأولى على حظر تصدير الأسلحة إلى الدول التي تنتهك الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، وأن عائلة ريجيني مقتنعة بأن مصر من بين تلك الدول. وهي تستند إلى سلسلة من الوثائق: القرارات الثلاثة للبرلمان الأوروبي – بين 2018 وديسمبر 2020 – التي أقرت بكيفية تكثيف الحكومة المصرية للقمع ضد المدافعين عن حقوق الإنسان. وما ورد في تقرير الأمم المتحدة لعام 2017 لمناهضة التعذيب أن "التعذيب في مصر منهجي ويتم في كثير من الأحيان للحصول على اعتراف أو لمعاقبة المعارضين السياسيين، ويتم في أقسام الشرطة وأجهزة أمن الدولة". وأضاف أنه "ليس من قبيل المصادفة أن الأمم المتحدة ألغت في أغسطس/آب 2019 مؤتمر مناهضة التعذيب الذي كان ينبغي عقده في القاهرة".
وتقول الصحيفة إنه على الرغم من أن الشكوى متعلقة بإيطاليا ولكنها تؤثر أيضا بشكل واضح على أوروبا، إذ سيحضر وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو ملف ريجيني إلى طاولة الاجتماع بين وزراء الخارجية الأوروبيين في نهاية شهر يناير الجاري"2021"، للمطالبة بفرض عقوبات على نظام السيسي. وتلفت الصحيفة إلى أنه مع ذلك، فإن العلاقة الوطيدة بين الحكومتين الإيطالية والمصرية لا تزال قائمة. وفي 29 ديسمبر، هاجم مكتب النائب العام بالقاهرة بشدة القضاة الإيطاليين وتحقيقاتهم التي ستؤدي، في الأسابيع المقبلة، إلى توجيه الاتهام إلى أربعة من عناصر الأمن الوطني المصري، متهمين بارتكاب جرائم قتل وتعذيب جوليو ريجيني. كل هذا أثناء وجود سفير إيطاليا بالقاهرة جيامباولو كانتيني، الذي0 يواصل اجتماعاته المؤسسية مع قادة الحكومة المصرية (الانقلابية).
وكانت صحيفة "لاريبوبليكا" الإيطالية قد وصفت صفقة السلاح الإيطالية لنظام العسكر في مصر بــ«صفقة القرن المصرية» والتي تضم فرقاطات ولانشات وصورايخ ومقاتلات يوروفايتز يايفون الشهيرة. كما تضم الصفقة الضخمة فرقاطتين من نوع "فريم بيرجاميني" والموجودتين في البحرية الإيطالية، فضلا عن 4 فرقاطات أخرى سوف يتم بناؤها للنظام في مصر خصيصا. بالإضافة إلى ذلك، تشمل الصفقة التي تبلغ قيمتها ما بين 9 إلى 10 مليارات يورو نحو 20 لانش صواريخ، وعدد 24 مقاتلة يوروفايتر تايفون، وعدد 24 طائرة إيرماكي إم-346 للقتال المتقدم، وقمرا للتصوير الراداري.
وأثار حجم الصفقة الكبيرة وقيمتها الضخمة، التساؤلات عن أسرار وأبعاد توقيت وهدف الصفقة التي تأتي في وقت تعاني فيه مصر وضعا مزريا على المستوى الاقتصادي جرءا التداعيات الكارثية الطاغية لتفشي جائحة كورونا وتعليق النشاط الاقتصادي منذ تفشي العدوى في بدايات السنة الماضية "2020م". كما تأتي هذه الصفقة في ظل توجهات النظام نحو التوسع في صفقات السلاح المليارية حتى باتت القاهرة من أكبر مستوردي السلاح في العالم وحلت في المركز الثالث عالميا بعد الهند والسعودية، وفقاً لتقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام "سيبري" المتخصص في مراقبة حركة بيع وشراء السلاح بالعالم، بصفقات بلغت قيمتها عشرات المليارات من الدولارات من فرنسا وروسيا وألمانيا. وزادت واردات مصر من الأسلحة بنسبةٍ هائلة بلغت 215% في السنوات الماضية التي تلت انقلاب 3 يوليو 2013.

ووفق صحيفة "نوتيزي جيوبوليتيك" الإيطالية، فإن حكومة إيطاليا ضحت بقضية "ريجيني"، مقابل الحفاظ على التنسيق التجاري بين البلدين، والتعاون الثنائي في الأزمة الليبية، ومكافحة الهجرة غير الشرعية. ويشكل الملف الليبي أولوية لروما التي تريد تأمين مصالحها في البلد العربي المليء بالنفط، خاصة أن مصر تعد أحد اللاعبين الرئيسين على الساحة الليبية، إلى جانب الإمارات وفرنسا. وخلال السنوات الماضية، لم تضع وزارتا الخارجية والدفاع في إيطاليا أي قيود أو موانع تحول دون إتمام الصفقة مع القاهرة، حسب إفادة مدير وحدة ترخيص الأسلحة في وزارة الشؤون الخارجية الإيطالية "ألبرتو كوتيلو".
وما يؤكد الطابع السياسي للصفقة أنها تتضمن شراء 25 طائرة من طراز يورو فايتر تايفون، وهي طائرة من إنتاج كونيسيرتوم مكون من أربع دول أوروبية هي ألمانيا والمملكة المتحدة وإسبانيا وإيطاليا. ومعظم دول منطقة الشرق الأوسط التي اشترت الطائرة مثل الكويت والسعودية وقطر، اشترتها من بريطانيا. لكن نظام السيسي يريد شراءها من إيطاليا للاعتبارات السياسية المرتبطة بملف قتل ريجيني والملف الليبي وتوجهات السياسية الإيطالية الداعمة للموقف التركي وحكومة الوفاق.

Facebook Comments