هناك ثلاثة ملفات حساسة تسهم في توتير العلاقات السودانية الإثيوبية، أولها الخلافات القائمة منذ سنوات بشأن سد النهضة الإثيوبي الذي يهدد بنقضان حصص مصر والسودان من مياه ا لنيل، هناك أيضا الخلافات الحدودية بين الدولتين حول منطقة "الفشقة" السودانية التي كانت محتلة من إثيوبيا، وأخيرا التوترات العسكرية بين الجارتين والتي تسفر عن اشتباكات محدودة بين الحين والآخر.
وخلال هذا الأسبوع حدث تصعيد خطير؛ إذ اخترقت طائرة حربية تابعة لأديس أبابا الأجواء السودانية، الأمر الذي أثار الخرطوم بحالة من الارتباك والغضب. وبحسب وكالة "الأناضول التركية"، تشهد الحدود السودانية الإثيوبية توترات عسكرية غير مسبوقة، تُنذر بوقوع مواجهات عسكرية وشيكة، وفقاً لما أفاد به مصدر عسكري سوداني، الثلاثاء 12 يناير2021، فيما قال فيه المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية، دينا مفتي، خلال مؤتمر صحفي إنهم رصدوا تحركات من الجيش السوداني في الأراضي الإثيوبية.
وأشار المصدر السوداني إلى إن الجيش الإثيوبي نفذ مؤخرا طلعات جوية في المناطق الحدودية، معتبرا ذلك محاولة لجر السودان إلى الحرب، مضيفا أن "الجيش الإثيوبي يقوم بعمليات استفزازية، أسفرت عن قتل مواطنين مدنيين داخل الحدود السودانية"، مؤكداً أن "الجيش السوداني في كامل الاستعداد والجاهزية لحماية أراضيه، ولن يسمح للجيش الإثيوبي والميليشيات بالعودة إلى الأراضي السودانية التي سيطر عليها". كما أشار المصدر إلى أن القيادة السودانية رأت ضرورة ضبط النفس، واللجوء إلى الحوار، وصولاً إلى بدء ترسيم الحدود على الأرض.
هذه التوترات العسكرية بين الجانبين، دفعت الخرطوم إلى التصعيد في ملف سد النهضة، حيث اتخذت الخرطوم موقفا أقوى من نظام الطاغية عبدالفتاح السيسي، وهو تطور جديد ولافت؛ حيث اعتبر ياسر عباس، وزير الري والموارد المائية السوداني مؤخراً أنه لا يمكن الاستمرار فيما وصفه بـ"الدائرة المفرغة" من المباحثات الدائرية إلى ما لا نهاية، بالنظر لما يمثله سد النهضة من تهديد. وأضاف أن الوضع الحالي يشكل تهديدا جديا للمنشآت المائية السودانية ونصف سكان السودان".
وكانت الحكومة السودانية قد استغلت انشغال الحكومة الإثيوبية بالحرب الأهلية في إقليم "تيجراي"، وقامت باستعادة معظم أراضي منطقة "الفشقة" التي كانت تحتلها مليشيات "أمهرية" إثيوبية، كانت تدعي أديس أبابا باستمرار أنها لا تسيطر على هذه المليشيات.
وينظر مراقبون إلى التحركات الإثيوبية الأخيرة باعتبارها ردا على سيطرة الخرطوم على منطقة "الفشقة"، بعدما تمكنت من حسم حرب "تيجراي" بصورة أسرع مما توقع مراقبون. وإن كان الحكم على ذلك يعد مبكرا جدا، لأن مثل هذه الحروب عادة ما تخبو وتعلو، وقد تأخذ شكل حروب العصابات لاستنزاف الجيش الإثيوبي.

هل تنشب حرب مياه؟
وكانت شبكة "بي بي سي" البريطانية، قد حذرت من اندلاع أول حرب مياه في العالم، وتحت عنوان "سد النهضة الإثيوبي "قد يشعل أول حرب" على المياه في العالم"، في فبراير 2018م، قالت إن سد النهضة الذي يجري بناؤه حاليا في إثيوبيا على نهر النيل الأزرق قد يؤدي إلى اندلاع حرب على المياه، ما لم تتوصل إثيوبيا إلى اتفاق بشأنه مع مصر والسودان. وبحسب ألاستير ليثهيد، مراسل بي بي سي للشؤون الإفريقية، فإن كثيرا ما يقال إن الحرب العالمية القادمة ستكون على المياه، وهناك مناطق قليلة في العالم تشهد توترا، بنفس الدرجة التي تشهدها منطقة حوض نهر النيل.
ومع تصعيد السودان في ملف سد النهضة بشكل غير مسبوق والتوتر الحدودي الذي صعدته أديس أبابا رغم أن اعترافها بأن الفشقة أرض سودانية، يثور تساؤل: هل تنشب حرب بين السودان وإثيوبيا، وما موقف مصر منها، وأي البلدين أقوى.
ووفق تقديرات عسكرية فإن الفوارق العسكرية بين جيشي البلدين ليست كبيرة، ولكن هناك عدة أشياء في صالح إثيوبيا، أولها عدد السكان والجغرافيا، إذ إن الطبيعة الجبلية والهضبية لإثيوبيا جعلتها واحدة من أصعب البلدان في العالم، من حيث إمكانية محاربتها، وسبق للإثيوبيين أن هزموا الجيش المصري في عهد الخديوي إسماعيل في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كما هزموا الإيطاليين في معركة عدوة الشهيرة عام 1896م، عندما حاولت روما غزو إثيوبيا، وكانت البلاد هي آخر دولة إفريقية تخضع للاحتلال الغربي، عندما تغلب عليها الإيطاليون بصعوبة في ثلاثينيات القرن العشرين.
يقود آبي أحمد إثيوبيا وهو ضابط مخابرات متمرس وتشهد البلاد في عهد فورة وطنية حيث شكل جيشا يجمع بين المليشيات والاحترافية العسكرية، وخرج منتصرا من حرب "تيجراي" مؤخرا، ولأثيوبيا تاريخ حافل في التدخل والحروب الناجحة مع دول الجوار كما حدث مع إريتريا والصومال. بينما تشهد السودان حاليا حالة من الهشاشة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ورغم أن الجيش السوداني يضم أكثر من 100 ألف مقاتل إلا أن قوات "الجنجويد" القبائلية هي التي تتمتع بخبرات كبيرة في حروب دارفور واليمن لكنها أقرب إلى أسلوب المليشيات ويغلب عليها طابع المرتزقة الذين يستهدفون الحصول على الأموال والمكاسب.

غموض موقف نظام السيسي
ورغم أن لأثيوبيا والسودان علاقات وثيقة بكل من إسرائيل والسعودية والإمارات، فأثيوبيا تربطها علاقات قوية بتل أبيب، والسودان دخلت في حظيرة التطبيع مؤخرا، وتحظى بدعم التحالف الإسرائيلي العربي أيضا، لكن موقف نظام السيسي من التوترات الحدودية بين الخرطوم وأديس أبابا لا يزال غامضا.
وتذهب تقديرات إلى أن نظام السيسي قد يوظف هذه التوترات من أجل الضغط على أديس أبابا في ملف سد النهضة، وبالتالي فدعم السودان سياسيا وعسكريا يمكن أن يمثل وسيلة ضغط على إثيوبيا دون تورط القاهرة في حرب مع بلد يبعد عنها مئات الكيلومترات. ولكن اللافت أن حكومة السيسي لم تقترب من نغمة السودان التصعيدية الأخيرة، خاصة في ملف سد النهضة، رغم أنها أولى بذلك، ولا يعرف هل تدعم السودان سرا أم لا في الوقت الحالي.
وكان نظام الانقلاب قد شارك في مناورات عسكرية مع الخرطوم خلال ذروة أزمة "تيجراي" في نوفمبر 2020م، وهو التدريب القتالي المشترك بين البلدين منذ الإطاحة بحكم البشير بانقلاب عسكري في إبريل 2019م. ولكن السيسي لا يزال مصرا على النوم في مربع الغموض الذي يمكن تفسيره باعتباره شكلا من أشكال العجز والإحباط وربما التواطؤ والخيانة.

Facebook Comments