تمطى أحدُهم وأعلن على الملأ أنه ورفيقه الناصرى -الذى عاد من إسطنبول مؤخرًا وقُبض عليه بمطار القاهرة ثم أُحيل إلى النيابة- مرتاحان؛ حيث زنزانة الوطن -حسب قوله- أحب إليه من فضاء الغربة. وهو كاذب بلا شك فى دعواه؛ إذ مقاله لا يدل على حاله، وإن كان يتوافق مع سيرته فى الكذب والتدليس أو إجادة دور «الكومبارس» أو التأدب فى حضور المستبدين بالاكتفاء بعمل «السَلَطَةِ» وشراء السمك.

إن التهديد بالزنزانة -التى يراها لرفيقه أفضل من الغربة- هو الذى ألزمه بيته وأخرس لسانه، وأخفاه عن الأنظار بالمرة بعدما كان معارضًا ملء السمع والبصر أيام كانت هناك حرية وكرامة، بل قل أيام كان هناك «وطن» حتى تجرأ وطالب بأن يؤؤل إليه كرسى الرئيس المنتخب بادعاء أنه الأحق به.

وهذا القول الفاسد لا تجد له دليلاً فى عُرف أو شرع، ولا يقول به إلا مثل هذا الرجل الذى يهرف بما لا يعرف؛ فإن الله – تعالى- شرع الهجرة للأنبياء والرسل وأتباعهم من بعدهم؛ لدفع المضرة عن الأنفس والأموال وهما من الضرورات التى لا تكون الحياة إلا بهما، ولأجل مجابهة الطغيان، والبحث عن وسائل أخرى للإصلاح والتغيير؛ كى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. أما «الوطن» فهو حيث يكون الأمن والاستقرار والرزق، فهو فى القلب قبل أن يكون قطعة أرض، ولا عجب إن كان كثيرون يعانون الغرية فى أوطانهم وهم يعيشون على أرضها؛ إذ الجهل فى الوطن غربة، والفقر غربة، والمرض غربة، والظلم غربة، والفساد غربة..

إن من أُخرجوا من ديارهم أو خرجوا منها لم يخرجوا ترفًا ولا فخرًا، بل هو الاضطرار أو«البديل المُرُّ»؛ كى لا يكونوا ضحايا لمن لا يرقبون فى مؤمن إلًّا ولا ذمة، وبعدما عُدموا الأمن، وحُوربوا فى أرزاقهم. وهم بخروجهم يعلمون أنهم سيكونون عُرضة للعوز وربما صاروا لاجئين، لكن هذا أهون ألف مرة من أوطان تحكمها أنظمة يفرّ منها بنوها فى هجرات غير شرعية فيغرق من يغرق، ومن ينج يعمل خادمًا فى بلد غريب، لكنه فى قرارة نفسه يجد ذلك أفضل من العيش فى أرض ملغومة بالفساد والاستبداد يطلق عليها «وطن».

إن الإنسان السوى هو من يعشق الحرية، ويأنف أشد الأنفة من الظلم والقهر، فلا يخضع خضوع العبد لواحد مثله؛ لذلك يوصى النبى – صلى الله عليه وسلم- صحابته المتوجهين إلى الحبشة فى رحلتهم الأولى بقوله: «إن بأرض الحبشة ملكًا لا يظلم أحدٌ عنده فالحقوا به حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا»، وهو ما جاء فى الحيثيات التى قدمها «جعفر بن أبى طالب» للنجاشى ردًّا على اتهامات عمرو وصاحبه، ففى نهاية رده يقول: «فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا؛ ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث».

لا نعول إذًا على هذا القول المتهافت؛ حيث تبقى الزنزانة زنزانة ببؤسها وظلامها وآلامها، وإن كانت الغربة أمرًا مؤلمًا شديد الوطأة على النفس لكنها أهون من الأولى، ألم تر إلى الرجل المؤمن وهو يلِّح على «موسى» – عليه السلام- بالخروج ساعة علم بالمؤامرة عليه؛ (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) [القصص: 20]، فلم يتردد موسى فى المغادرة، ولم يقل: وطنى وزنزانته الجميلة، إنما أخذ بنصيحة الناصح وغادر على الفور يبتغى النجاة؛ (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [القصص: 21].
فهى -أى الغربة- ملاذ الخائف وحمى المضطر؛ (فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ) [الشعراء: 21]، ومنجاة الحر من مكر الماكرين وتدبير المجرمين؛ (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [الأنفال: 30]، وقيل فى معنى «يثبتوك»: يحبسوك، يسجنوك، يقيدوك، يعتقلوك. فكانت هجرته – صلى الله عليه وسلم- انفكاكًا من هذه القيود. وقد عاب الله على أقوام عجزة رضوا بالخضوع لجلاديهم الذين منعوهم العقيدة وبقوا فى أرضهم لم يغادروها؛ (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) [النساء: 97].

Facebook Comments