من جديد، تعيدنا القدس إلى أبجديات الصراع، وذلك عبر أبطالها الرائعين الذين سجّلوا بطولات استثنائية في مواجهة عدو متغطرس. لعل الميّزة الأهم لهبّة القدس الأخيرة هو مجيئها في لحظة زهو صهيوني استثنائي. لقد جاءت مباشرة بعد سلسلة من المواقف والتصريحات الصهيونية على لسان نتنياهو وسواه، منها قوله إن موقف الشعب الفلسطيني لم يعد مهمّا، وإن بوسع الصهاينة أن يتجاوزوه، ويعقدوا اتفاقات مع سائر الدول العربية. وأضف توعّده بالهيمنة على المنطقة برمتها، وحديثه عن أن كيانه قد تحوّل إلى قوة إقليمية، بل "قوة عالمية" أيضا. 

في هذه اللحظة، جاء المقدسيون ومن معهم من أبناء شعبنا، كي يبصقوا في وجهه، ويهينوا كيانه، ويستعيدوا هيبة القدس ومقدساتها، وهويّتها أيضا.

كل جماهير الأمة والعالم شاهدوه وهو يتحدث خطابا ليّنا لم يُعهد عنه، حين دعا إلى التهدئة، وعينه بطبيعة الحال على التداعيات المحتملة للهبّة، ممثلة في انتفاضة تحاكي "انتفاضة الأقصى" التي انطلقت صيف العام 2000، حين جاء شارون واقتحم الأقصى، لتأكيد حق الصهاينة فيه.

نتنياهو يدرك تماما أن اندلاع انتفاضة على شاكلة انتفاضة 2000 يعني إهالة التراب على كل عمليات التطبيع التي نجح فيها، وهو يتذكّر تماما أن مرحلة ما قبل انتفاضة الأقصى شهدت موجة هرولة وتطبيع أسوأ من المرحلة الأخيرة، ولكن الدم الفلسطيني نجح في شطبها، وإعادة الأمور إلى وضعها القديم.

إنها الحقيقة التي لا مراء فيها، فلا شيء يهيل التراب على أسوأ مرحلة في تاريخ القضية الفلسطينية، وهي مرحلة عباس التي منحت الغزاة أفضل احتلال في التاريخ (احتلال "ديلوكس" وفق تعبيرهم)، سوى انتفاضة شاملة جديدة. ولا شيء سيهيل التراب على مغامرات التطبيع سوى الانتفاضة المذكورة، لذلك كان موقفه المتراجع أمام الهبّة، واستنجاده ببعض الأنظمة العربية من أجل التدخل، ومن ضمن ذلك الضغط على عجزة رام الله أيضا.

لا شيء يذكّرنا بجوهر الصراع مع الكيان الصهيوني مثل قضية القدس، ومن ضمنها، بل في مقدمتها، تلك البقعة الصغيرة في المدينة القديمة التي تتمدد فيها المقدسات الإسلامية، وفي مقدمتها المسجد الأقصى المبارك.

ديفيد بن غوريون، أحد أهم مؤسسي الكيان الصهيوني، لخّص الأمر قبل أكثر من 70 عاما، بالقول: "لا معنى لإسرائيل من دون القدس، ولا معنى للقدس من دون الهيكل".

ولأن هذا هو الموقف الذي يُجمِع عليها الصهاينة بكل ألوانهم، أكثرهم حمائمية (يوسي بيلين) قال خلال مفاوضات كامب ديفيد، صيف العام 2000، إن الهيكل بالنسبة لليهود مثل الكعبة بالنسبة للمسلمين).. لأن الأمر كذلك، فإن كل ألعاب الحلول والتسويات ستنتهي كما انتهت مفاوضات كامب ديفيد، وكما انتهت مفاوضات عباس مع أولمرت، وكما نُسخت "صفقة القرن" لصاحبها ترامب، فلا أحد يجرؤ على التنازل عن القدس واقتسام المسجد الأقصى مع الصهاينة، وبالطبع تمهيدا لإقامة الهيكل  المزعوم. 

لا أحد يجرؤ على ذلك؛ لا عباس، ولا خليفته، ولا أنظمة البؤس إياها، ومن هنا، فإن المسار لن يكون سوى المراوحة الراهنة؛ أملا في تصفية تدريجية، أو إعادة للصراع إلى أبجدياته الأولى، والانقلاب على مسار الجبن والعجز الذي سارت فيها القيادة الحالية، التي وقفت ضد الشعب برمته حين أجمع على انتفاضة الأقصى عام 2000.

لن يسمح الشعب الفلسطيني باستمرار مسار تجريب المجرّب إلى ما لا نهاية، وسيجد الفرصة المناسبة للانقلاب عليها، لا سيما أن مغامرات العدو المتعلقة بالقدس والأقصى لن تتوقف.

الخلاصة أن المسجد الأقصى هو عنوان الصراع، وهو من سيتكفل بإعادته إلى مساره الأصيل، وبالطبع من خلال أبطال مثل أولئك الذين هزموا العدو في موقعة "البوابات الإلكترونية" عام 2107، والذين هزموه أيضا وأصابوا هيبته وغطرسته في مقتل خلال الموقعة الجديدة.

سلام على القدس وأبطالها، وسلام على المسجد الأقصى، ومن أقسموا على حمايته أمام الناس أجمعين، وعلى مسمع أمّة تفاعلت معهم على نحو أثبت أن كل هراء التطبيع لم يغيّر في قناعاتها ومواقفها قيد أنملة.

Facebook Comments