تزامنا مع الذكرى الثالثة والسبعين على نكبة العرب، واغتصاب فلسطين، يواصل الكيان الصهيوني اغتصاب ما تبقى من أرض فلسطين التاريخية، ومحو أي هوية إسلامية وعربية للقدس وتهويدها بالكامل، ولكي يربط بين غربها وشرقها ويمحو الجانب العربي فيها؛ فلقد لجأ إلى سياسة التطهير العرقي التي ينتهجها منذ أسس كيانه الغاصب عام 1948، وقرر طرد أهالي حي "الشيخ جراح"، الواقع في قلب الحي العربي في القدس الشرقية المحتلة منذ عام 1967؛ من منازلهم لإقامة مشروع استيطاني ضخم يضم 600 وحدة استيطانية لإسكان مغتصبين صهاينة جاؤوا من مشارق الأرض ومغاربها ولا ينتمون لهذا البلد بأي نسب، ولم تكن لهم جذور في تلك الأرض الطيبة، كباقي الأراضي الفلسطينية التي اغتصبوها..

يريدون أن يمحوا اسم هذا الحي، الذي يؤكد عروبته، ويثبت أحقية الفلسطينيين بأرضهم. لقد سمي الحي بـ"الشيخ جراح"، نسبة إلى طبيب القائد العظيم "صلاح الدين الأيوبي" الذي حرر القدس من الصليبيين في القرن الثاني عشر، وكان يسمى الشيخ "حسام الدين الجراحي" ولقب باسم الجراح. وتيمنا به سُمي هذا الحي باسمه، وهذا ما يزعج الصهاينة مما دفعهم لمحو هويته العربية الأصيلة..

وما حي "الشيخ جراح" إلا صورة مختزلة لاغتصاب فلسطين في 48 بكل أدواتها وحيلها، وهي تروي لنا الحكاية بالكامل، حكاية أكبر سطو ونصب وسرقة لأراضي الغير حدثت في التاريخ، حكاية قيام دولة استعمارية على أراضي شعب آخر..

يزعم الكيان الصهيوني ملكيته لأرض الشيخ جراح، كزعمه بملكية كل الأراضي الفلسطينية التي اغتصبها بالغش والتزوير وبقوة السلاح، منذ وطأت أقدام المستوطنين اليهود أرض فلسطين في القرن التاسع عشر، بينما كل الوثائق والأدلة تثبت كذب زعمهم هذا.

فكما هو معلوم، فإن السلطان "عبد الحميد الثاني" كان قد أصدر عدة قرارات تمنع بيع الأراضي لليهود، وتحُول بينهم وبين التملك في فلسطين عامة وفي القدس خاصة، بل إنه ذهب لأبعد من ذلك، ومنع إقامة الزوار اليهود في القدس لأكثر من شهر، وهو ما يؤكد زيف المزاعم الصهيونية في ملكيتهم لأراضي الشيخ جراح..

ولقد أوضح المؤرخ التركي "تللى أوغلو"، في حديثه لموقع "عربي21" أن هناك المئات من الوثائق في الأرشيف العثماني تظهر اهتمام الأستانة بمراقبة الأوضاع في فلسطين عن كثب، ورصد كل تحرك أجنبي أو غير مسلم على أراضيها، وذلك منذ استقرار حكمها في المنطقة بالقرن السادس عشر، مؤكداً على بطلان المزاعم الصهيونية وأن التوغل اليهودي في فلسطين عامة والقدس خاصة كان قيد الرصد منذ بداياته ومحارباً من قبل العثمانيين..

ولقد عرض الموقع الموقر نسخا من تلك الوثائق المهمة، والتي وضعتها الحكومة التركية تحت تصرف السلطة الفلسطينية للاستفادة من الأرشيف العثماني كما تشاء.

ولكن أين السلطة الفلسطينية مما يجري في حي الشيخ جراح؟ بل أين هي مما يجري في القدس من اقتحام قوات الاحتلال للمسجد الأقصى وتدنيسه والاعتداء على المصلين في شهر رمضان؟! إنها غائبة تماماً عن الأحداث، وكأن الأمر لا يعنيها، مكتفية فقط بالتنسيق الأمني مع الكيان الصهيوني وتسليم المطلوبين إلى قوات أمن الاحتلال!!

وإذا كانت سلطة وطنية تهتم بشؤون الفلسطينيين كما تدعي، فما الذي يمنعها أن تأخذ خطوة حازمة ورادعة تجاه الكيان الصهيوني، ليتراجع عن سياساته العنصرية ضد الفلسطينيين في القدس، فتتوجه على الفور إلى محكمة الجنايات الدولية، بما تملكه من أوراق؛ دفاعاً عن ملكية الفلسطينيين لحي الشيخ جراح؟!

لم يحتج الفلسطينيون إلى سلطة التنسيق الأمني للدفاع عن أرضهم، بل استطاعوا بصمودهم ومقاومتهم؛ أن يقفوا أمام جبروت الكيان الصهيوني ويجبروه على تأجيل الحكم في قضية بيوت الشيخ جراح. ولولا هذا الصمود لطردوا من بيوتهم ولصُودرت أرضهم لصالح المستوطنين اليهود. والمعركة مستمرة مع استمرار صمودهم، ولكنه بالطبع انتصار مرحلي.

لقد حول الصهاينة ساحة المسجد الأقصى الشريف إلى ساحة قتال، نزلوا بجنودهم المدججين بالسلاح ليوجهوا بنادقهم لصدور المصلين العزل، ولقد كان مشهداً مهيباً إذ سرعان ما تجمع أمامهم عشرات الآلاف من الفلسطنيين من جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ تصدوا لعدوان الاحتلال السافر، وكانوا أقوى من أسلحته. لقد استطاعوا أن يسجلوا ملحمة أسطورية للدفاع عن القدس والمسجد الأقصى، واستطاعوا بإيمانهم وثباتهم أن يبثوا الخوف في نفوس الاحتلال وأن يردعوه وينتصروا ويدخلوا المسجد الأقصى مكبرين مبتهلين في ليلة القدر..

كان من المفترض أن يحتفي الكيان الصهيوني يوم العاشر من أيار/ مايو بما يسميه "يوم القدس"، للتأكيد على أنها عاصمته الموحدة، فإذا بانتفاضة القدس وبصواريخ القسام تجعل المستوطنين يهربون من مسيرة الأعلام التي تنظمها الجماعات اليهودية المتطرفة، بعد سماع صفارات الإنذار، مما أجبر شرطة الاحتلال على منع المسيرة من المرور بباب العمود..

في هذا اليوم المشهود تأكد لدولة الاحتلال، أن حلمها بفرض سيادتها على مدينة القدس هو ضرب من الخيال لن تستطيع تنفيذه على الأرض، وأنها لم تكن في يوم من الأيام أبعد عن تحقيقه كما هي الآن..

إن ما يجري في حي الشيخ جراح وفي القدس أمر مفصلي بالغ الخطورة، ومن يقرأ الصورة جيداً ويرجع إلى التاريخ يوقن بأن ما بعده لن يكون كما قبله..

لا جدال في أن هؤلاء الفلسطينيين المدافعين عن المسجد الأقصى وحي الشيخ جراح إنما يدافعون عن كرامة وشرف الأمة كلها، ويدفعون ضريبة تقاعس وتخاذل بل وعمالة حكامها العرب المتصهينين؛ من دماء فلذات أكبادهم. وإنه من العار أن يحضر سفراء الدول العربية المطبعة، مأدبة إفطار على شرف وزير الخارجية الصهيوني "جابي أشكنازي" في مدينة يافا، شارك فيها عبر الاتصال المرئي مع نظيريه الإماراتي والبحريني، في الوقت الذي يتم فيه اقتحام المسجد الأقصى والعدوان على أهالي الشيخ جراح!!

بسبب تلك الأنظمة، يشعر أبناء الأمة بقهر العجز عن مناصرة المرابطين في القدس والمشاركة معهم بأجسادهم، وإن كانوا يناصرونهم بأرواحهم وقلوبهم التي تتوجه إلى الله آناء الليل وأطراف النهار بالدعاء لهم بالنصر المبين..

لقد أعادت انتفاضة الأقصى القضية الفلسطينية إلى بؤرة الاهتمام العربي والعالمي وسلطت الأضواء عليها من جديد، بعد أن كادت تختفي مع انتشار وباء التطبيع مع العدو الصهيوني الذي اجتاح الدول العربية، وأثبتت أن كل المليارات التي دفعتها الدول المُطبعة وعلى رأسها دولة الإمارات، لمحو فلسطين من الوجدان العربي، قد ضاعت هباءً وذهبت أدراج الرياح مع أول هبة فلسطينية يجيء نسيمها من القدس. فلا تزال بوصلة الشعوب العربية متجهة إلى فلسطين والقدس، ولن يستطيعوا تحويلها بكل ما لديهم من قوة ومال وإعلام..

إن تضامن الفلسطينيين في جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ نكبة 48 مع ما يحدث في حي الشيخ جراح، وفي القدس، أثبت بما لا يدع مجال للشك، سقوط الفرضية الصهيونية، التي بنيت على أساس تقسيم الشعب الفلسطيني إلى عدة أقسام (الضفة وغزة والقدس وعرب 48 وفلسطينيو الشتات)، وكل يعيش في حاله ولا يشارك الآخر في همومه ومعاناته مع الاحتلال الصهيوني.

ولكن جاءت هذه المشاركة الفلسطينية العريضة لتؤكد الوحدة الفلسطينية؛ وحدة التراب والهدف والمصير، ولتستنهض الهمم وتبعث الروح في الجسد الفلسطيني، وتبث الأمل في نفوس الأمة كلها وليس في النفوس الفلسطينية فحسب. وشعر كل مواطن عربي أنه فلسطيني بالفطرة، مما يبشر بانتفاضة فلسطينية جديدة، مختلفة عن سابقتيها في أنها فرصة تاريخية لإنهاء الانقسام وإعادة اللحمة للجسد الفلسطيني ككل، والتوصل إلى مشروع تحرر وطني جامع يكون أساسه أو استراتيجيته هي المقاومة الشاملة، يقود هذه الجماهير الغفيرة في الشارع الفلسطيني. ويمكن من خلاله إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، على أساس ميثاقها الأول عند إنشائها قبل أن تُحذف بنود النضال والكفاح لاسترداد فلسطين من النهر حتى البحر، عند توقيع اتفاقية أوسلو، وإن كنت أفضل غلق صفحتها تماماً مع كل قراراتها الكارثية السابقة، فقد انتهى دورها، وتعداها الزمن، ويجب أن يولد من رحمها كيان فلسطيني جديد، بروح وطنية شابة.

فقد شاهدت انتفاضة الأقصى في رمضان، شباباً لم يحضروا انتفاضة الأقصى عام 2000، جاؤوا من أراضي عرب 48 التي لم يشارك أهلها في الانتفاضتين السابقتين، لذلك لا بد أن يأخذوا ذلك في الاعتبار ويتم انتخاب قيادة فلسطينية جديدة، ترد الاعتبار للقضية الفلسطينية كقضية "تحرر وطني"، وتأخذ الشرعية الكاملة باتخاذ القرار الجريء إزاء اتفاقية "أوسلو" الخبيثة، وإفرازاتها التي أضاعت الحقوق الفلسطينية.. قيادة وطنية واعية تدير المشروع الوطني بكل تجلياته..

……………

نقلا عن: عربي 21

Facebook Comments