ليس أسخف من تلك النغمة التي ترتفع كلما تناول أحدٌ بالنقد مسلكًا سياسيًا للمقاومة الفلسطينية الباسلة، كأن تورّط نفسها في توجيه الشكر لمن لا يستحقون الشكر من وجهة نظر محبّيها وداعميها، والخائفين عليها من الانصراف إلى ما لا يضاعف أرصدتها في القلوب والعقول.

من المقطوع به أن المقاومة الفلسطينية، بمختلف ألوانها وفصائلها، تمثل الآن شعاع الضوء في الليل العربي المعتم، كما أنها تبقى صاحبة فضلٍ في مكافحة سرطنة الذات العربية، والاحتفاظ بالوجدان العام سليمًا ضد الحملات الرسمية والصهيونية الشرسة التي تستهدف تذويبه في أحماض التطبيع.

بهذا المفهوم، تؤدي المقاومة دورين كلاهما مهم، الأول: أنها تواجه عدوًا لها ولنا جميعًا وللإنسانية، وتكسر غطرسته وتفجر أوهامه وأساطيره المستقرة، والتي يريد منا أن نعتنقها بوصفها يقينًا مثبتًا بالقوة العسكرية.

والدور الثاني أنها تحافظ على خزّان الأجيال العربية سليمًا، بما يعطي الأمل في إمكانية أن يأتي جيلٌ يزيل كل هذا الغبار المتراكم فوق الحاضر، بكثافة تهدّد المستقبل.

على ضوء هذه الحقائق الناصعة، يصبح من البديهي أن المقاومة ليست مدينةً بالشكر لأحد، ولا ينبغي لها أن تنشغل بسداد فواتير ليست مستحقةً عليها من الأصل، ولا أن تهتم بمجاملة من يعتبرهم جمهورها المحب قتلةً وسفاحين وطغاة، يدرك الجميع أنهم ليسوا أكثر من جدرانٍ عازلةٍ بين شعوبهم وروح المقاومة، بمفهومها الواسع، الذي يشمل مقاومة الظلم في عمومه، سواء كان احتلالًا يغتصب الأرض، أو طغيانًا يغتصب الروح.

تعلم المقاومة أن جمهورها الحقيقي هو الشعب العربي الحالم بالحرية والكرامة والديمقراطية، والذي تم الاعتداء عليه وسحقه عن طريق سلسلة انقلابات وثورات مضادّة رضيت بها إسرائيل ودعمتها وسلحتها ووفرت لها قبة حديدية دبلوماسية دافعت عنها في المحافل الدولية.

كما يعلم الصهيوني، ويعلن طوال الوقت أن الخطر الأكبر عليه هو ذلك الخزّان البشري من الرأي العام العربي المقاوم للسقوط في أعماق التطبيع، كما يدرك كل مراقب أن تلك التحولات الدراماتيكية الهائلة في مواقف عواصم التطبيع، إلى الحد الذي تظهر معه غرامًا مسمومًا بقيادات المقاومة، ما كان ليحدث لولا أنها مرعوبة من انتقال اليقين في الانتصار إلى الجمهور، فينتقل من حالة الدعم والتشجيع للإنجاز المقاوم إلى محاولة تكرار الإنجاز ذاته في معركته ضد الاستبداد.

هذا يعني مباشرةً أن الحليف الأقوى والداعم الأكثر إخلاصًا للمقاومة والجمهور، أو الشارع العربي الذي قال عن بنيامين نتنياهو إنه العدو الأخطر على الكيان الصهيوني. وبالتالي من حق هذا الجمهور أن يعتب على المقاومة وينتقدها ويدق نواقيس الخطر إذا وجدها تضيّق المسافة بينها وبين المستبدّين والجلادين، بدافع من "البراغماتية المنضبطة" بتعبير خالد مشعل، كما أنه ليس على المقاومة أن تغضب من عتب المحبين ونقدهم، وغيرتهم عليها وقلقهم من أفخاخ الأصدقاء المزيفين الذين أشهروا في وجهها سلاح الود الساخن من دون مقدمات.

عليها ألا تنزعج من صافرات الإنذار المنطلقة ممن يؤمنون بأنه لا صوت يعلو فوق صوت المقاومة حين تقاوم… لكنها حين توزع مكافآت الشكر على الطغاة وقتلة الشعوب الساعية للحرية، فمن حقها على جمهورها، ومن واجب هذا الجمهور تجاه الشعوب المكافحة من أجل حريتها، أن يعلن بأعلى صوت إن هذه التشكرات تسيء لقيمة الحرية وتخدش جوهر فكرة المقاومة ذاتها.

هنا تحضر حالة تقديم أحد المنتسبين للمقاومة الشكر لجماعة الحوثي الطائفية التي تمارس فظاعات بحق الشعب اليمني، وما أحدثته من صدمة لدي محبّي المقاومة، حتى أصدرت الأخيرة بيانًا تعلن فيه أن هذا السلوك لا يمثل إلا صاحبه، وهو البيان الذي يحمل نفسًا اعتذاريًا، وبالتالي استقبله الجمهور، حليف المقاومة الحقيقي، بالارتياح وتجديد الثقة فيها والعهد على مواصلة دعمها.

هذه الجماهير التي تخاف على المقاومة من ود المستبدّين وغرام المطبعين الزائف تبقى هي الداعم الأول والحليف الأولى بالصداقة، فهو الباقي بينما جلادوه زائلون، وهو الأنفع للمقاومة من أولئك الذين يرمون منتقديها بالعمالة والتصهين، على نحو يجعلهم لا يختلفون كثيرًا عن جمهور الطغاة والمستبدين، ويريدون أن يصنعوا من المقاومة دكتاتورية موازية، يمارسون حولها وضاعتهم.

……………

نقلا عن: العربي الجديد

Facebook Comments