لم تكن أحكام الإعدام بحق 12 معارضا مصريا مؤخرا محض عمل انتقامي فقط من هؤلاء القادة السياسيين الذين كان لهم الدور الأكبر في قيادة ميدان التحرير خلال ثورة يناير، ولكنها كانت أيضا جزءا من سياسة ترهيب واسعة للمجتمع، وتذكيرا لأي راغب في الإصلاح بأن مصيره قد ينتهي به إلى حبل المشنقة. وهذه الأحكام هي إحدى أدوات النظام للإبقاء على حالة الخوف من جهة، وحالة الانقسام المجتمعي التي يتغذى النظام عليها من جهة ثانية.

منذ نجح جنرالات مصر في الإطاحة بالحكم المدني المنتخب في الثالث من تموز/ يوليو 2013، اعتمد النظام الجديد على سياسة الصدمة والرعب لمواجهة أحلام الحرية والتغيير، وكانت الصدمة الكبرى في فض اعتصام رابعة بتلك الطريقة المريعة، والسماح بنقل ذلك عبر الشاشات حتى تصل الرسالة مدوية لكل بيت مصري، فتصنع حاجزا سميكا من الخوف في النفوس. وقد نجحت بالفعل إلى حد كبير لدى قطاعات واسعة من الشعب والنخبة.

وكانت العديد من عمليات التصفية الجسدية في الشوارع والمنازل تاليا هي استكمال لهذه السياسة من باب الطرق على الحديد وهو ساخن، وكلما شعر النظام ببرود هذا الحديد أشعل نيرانا تعيد السخونة إليه، ومن ذلك أحكام الإعدام المتتالية التي لم تشهد مصر لها مثيلا حتى في ظل النظم العسكرية السابقة، والتي وضعت مصر في المركز الثالث عالميا في هذا المجال.

حتى هذه اللحظة تقتصر أحكام الإعدام وتنفيذها على الإسلاميين بمختلف مدارسهم، لكن هذا لا يعني أنها ستتوقف عند حدودهم، فالصمت عليها لأي سبب يحفز النظام على إصدار المزيد منها، وهذا المزيد لن يقتصر على فئة بعينها.

لو نظرنا إلى بدايات أحكام الإعدام وتنفيذها لوجدنا أنها اقتصرت في البداية على التنظيمات الجهادية المسلحة التي لا تحظى بحاضنة اجتماعية، وتوالى تنفيذ تلك الإعدامات، وسط معارضة ضعيفة لها، اقتصرت على بعض الحملات الإعلامية.

وجاءت الخطوة التالية بإصدار أحكام إعدام وتنفيذها بحق شباب ينتمون للإخوان، وارتفعت نبرة المعارضة لها نسبيا ولكنها اقتصرت على القوى الإسلامية، مع أصوات حقوقية خافتة من تيارات أخرى، لينتقل النظام إلى الخطوة التالية وهي إصدار أحكام إعدام بحق قيادات سياسية معروفة، على رأسها البلتاجي وصفوت حجازي وأسامة ياسين وعبد الرحمن البر، وجميعهم معروفون بمناهضتهم للعنف أساسا، وأصبح الحكم نهائيا تحت التنفيذ في الوقت الذي يحدده النظام، وغالبا يكون ذلك عقب وقوع حدث كبير يريد النظام التغطية عليه أو الانتقام له.

حتى الاعتقالات اقتصرت في البداية على أنصار مرسي، ولكن قبول أو تبرير القوى العلمانية لها فتح شهية النظام للتوسع فيها، فطالت هذه القوى، وأصبحت السجون ملتقى للقوى الإسلامية والعلمانية، وحتى عمليات القتل لم تقتصر على الإسلاميين خلال تظاهراتهم بل طالت الناشطة اليسارية شيماء الصباغ وهي تحمل الورود في ذكرى 25 يناير عام 2015. كما أن القتل البطىء في السجون نتيجة الإهمال الطبي أو التعنت الأمني لم يعد مقتصرا على الإسلاميين، بل إنه طال غيرهم، مثل الصحفي محمد منير والمخرج شادي حبش، وأحد شباب 6 أبريل.

الشاهدة في الأمر أن القمع حين يتسع فإنه يطال الجميع بلا تفرقة، بمن في ذلك محسوبون على النظام نفسه، وبالتالي فإن أحكام الإعدام لن تتوقف عن حدود الإسلاميين ما لم يتم التصدي لها بقوة من الجميع.

والسؤال الآن: هل يمكن التصدي لهذه الأحكام ووقف تنفيذها؟

الحقيقة أننا أمام نظام فاق في استبداده كل النظم العسكرية السابقة التي حكمت مصر، فالرئيس عبد الناصر أعدم 11 شخصا (شيوعيان وتسعة من الإخوان)، والسادات أعدم سبعة من في الجهاديين في قضيتي الفنية العسكرية ومقتل الذهبي، ومبارك كان الأكثر بحوالي مائة إعدام خلال 30 عاما لكن ذلك أيضا كان من أسباب الثورة عليه. أما السيسي فقد أعدم 97 شخصا في ست سنوات فقط، وهناك 81 حكم إعدام نهائيا تحت التنفيذ في أي وقت، بخلاف الأحكام النهائية الجديدة التي ستصدر من المحاكم في قضايا إعدام أولية، أو الأحكام التي تصدر في قضايا جديدة.

لقد انتهت تقريبا المدة القانونية التي يحق لرئيس الجمهورية وقف تنفيذ هذه الأحكام (أسبوعان بعد صدور الحكم)، ومع ذلك فإن إيقاف تنفيذها لاحقا، وإن كان صعبا في ظل هذا النظام، إلا أنه يظل أمرا ممكنا في حالة واحدة وهي توفر رأي عام دولي واسع ضدها (من حكومات وهيئات ومؤسسات مجتمع مدني)، وهذا لن يتحقق إلا بعد توحد قوى المعارضة المصرية في وجه هذه الأحكام، وتحركها الجمعي محليا ودوليا، لأن النظام نفسه استغل تفرق وانقسام المعارضة والمجتمع ليضرب فريقا منها في ظل صمت أو رضا فريق آخر، وحين تسحب المعارضة هذه الورقة (ورقة الانقسام) من يد النظام فإنه سيصبح أكثر انكشافا، خاصة أنه يعيش في مأزق كبير بسبب فشله في مواجهة إأثيوبيا في أزمة سد النهضة.

وما يجدر ذكره وشكره في هذا المقام تشكيل لجنة وطنية لمناهضة الإعدام برئاسة الدكتور محمود وهبة؛ تضم رموزا مصرية من انتماءات مختلفة، وأخرى دولية للأمر ذاته برئاسة الدكتور المنصف المرزوقي وعضوية شخصيات عربية ودولية سياسية وقانونية وبرلمانية، والأمل معقود بعد الله على جهود هاتين اللجنتين، وندعو الله لهما بالتوفيق.

Facebook Comments