الاقتصاد ببساطة يعني معايش الناس، فهو من لوازم حياتنا ومعايشنا اليومية، فما من يوم يمر علينا إلا ونجد أننا استهلكنا فيه سلعا أو خدمات بفضل عملنا، وقمنا بمبادلات متعددة للحصول على تلك السلع والخدمات، التي في الأصل تم إنتاجها محليا أو خارجيا، وبذلك نكون مارسنا سلوكا اقتصاديا من أجل إشباع حاجاتنا التي هي أساس المشكلة الاقتصادية، وبناء على ذلك يتم تحديد آلية عمل نظامنا الاقتصادي.

إن الحاجات الإنسانية هي نقطة الانطلاق للنشاط الاقتصادي، الذي قوامه آليات ثلاث: الإنتاج، والتوزيع، والاستهلاك. فالإنتاج يولد توزيعا للدخل، وهذا الدخل يحدد الاستهلاك (الطلب)، والذي بدوره يوجه للمؤسسات ويحدد إنتاجها لتلبيه هذا الطلب ومن ثم تلبية تلك الحاجات.

ويتم التنسيق بين آليات النشاط الاقتصادي الثلاث بصورة تعكس الدورة الاقتصادية من خلال أسواق المال، والعمل، والسلع والخدمات، والتي يتم فيها التبادل بين القوي الفاعلة المتعاملة في السوق ممثلة في قطاعات: الأسر، والإدارة الحكومية، والمؤسسات الإنتاجية الربحية، والمؤسسات غير الربحية، والمؤسسات المالية، والعالم الخارجي.

وقد كان الاقتصادي الإنجليزي آرثل سيسيل بيجو (A.C Pegou 1877-1959م) معه بعض الحق حينما عرف علم الاقتصاد في كتابه “الرفاهية” عام 1920م بأنه: “العلم الذي يعنى بدراسة الرفاهية الاقتصادية”، فالاقتصاد في حقيقته هدفه تحقيق الرفاهية للناس. ولئن كان بيجو ركز على الرفاهية المادية في الدنيا فإن الاقتصاد الإسلامي يجمع بين رفاهية الدنيا والآخرة معا. “مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ” (النحل: 97).

لقد انحرفت النظم الاقتصادية الوضعية في إنتاجها واستهلاكها وتوزيعها وأسواقها ما بين طغيان مشهود وخسران ملحوظ، حتى باتت العدالة نسيا منسيا، وإشباع الحاجات المادية وترسيخ الشهوانية مقصدا مرعيا، فارتفعت الشهوة وانتكست الفطرة، وبات الأمن النفسي هدفا من الصعوبة تحقيقه واستقراره.

والاقتصاد الإسلامي لا يعرف لذلك الانحراف سبيلا، فهو يوازن بين الحاجات المادية والمعنوية، وينظم الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، ويضبط الأسواق ويراعي الفطرة الإنسانية في توازن وتناسق دقيق تحكمه العدالة بلا طغيان أو إخسار، بما يحقق الرفاه والحياة الطيبة للبشر. وهذا من عظمة وكمال وتمام شريعة الإسلام التي وضعت ميزانا حاكما لحياة البشر لا يحابى أحدا: “فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى” (طه: 123-126).

والاقتصاد الإسلامي – كذلك – يعمل على تحقيق الانسجام بين سلوك الإنسان الاقتصادي وتصرفه بصورة تتفق مع الأحكام الاقتصادية الإسلامية والسنن الإلهية، الكونية والإيمانية، ويسعي لتمكين الإنسان من القيام بمهمة الخلافة التي وكله الله تعالى بها على الأرض: “وإذْ قالَ ربُّك للملائكةِ إنِّي جاعلٌ في الأرضِ خليفةً” (البقرة: 30) من أجل البناء والتعمير “هو أنْشَأَكُمْ من الأرضِ واسْتَعْمَرِكُمْ فيها” (هود: 61)، وذلك لتحقيق العبودية الخالصة لله رب العالمين “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُون” (الذاريات: 56).

فالاقتصاد الإسلامي منهج متكامل، بدءا من قضية الاستخلاف باعتبار المال مال الله تعالى والبشر مستخلفون فيه وفقا لإرادة الله تعالى – المالك الحقيقي للمال – ومرورا بالقواعد التي تحكم الإنتاج والاستهلاك والأرباح، وتوزيع وتداول الدخل والثروة.. الخ.

ومن المؤسف أننا في دولنا الإسلامية تركنا هذا المنهج الاقتصادي الرباني، فسرنا وراء الاشتراكية تارة حتى أفلست وانهارت، وما زلنا نسير وراء الرأسمالية وكأنها الحل لمشاكلنا، وإن كانت الرأسمالية في بلدنا رأسمالية مرقعة يأخذ منها الحكام ما تستهويهم ويتركون ما لا يتفق ونهج أهوائهم. فوجدنا على سبيل المثال في مصر يرفعون شعار الرأسمالية في تحريك الأسعار ارتفاعا – وليس آخرها الارتفاع المتوالي لأسعار البنزين – مع الاستمرار في سياسة طحن الفقراء وحرمانهم من الحماية الاجتماعية. أما الحرية الاقتصادية الحقيقية للسوق فهي مفقودة في ظل عسكرة الاقتصاد وطرد مشروعات العسكر للقطاع الخاص، فبات المواطن محصورا بين سندان البطالة ومطرقة التضخم.

إن الاقتصاد قوامه الثقة وروحه الحرية وميزانه العدل، ولن تجد ذلك إلا في الإسلام. والنظم الوضعية التي توحلت في نفق الأزمات ما بين فترة وأخرى، بانجذابها للماديات وإهمالها للروحانيات، ستظل تعاني الويلات حتى لو تقدمت ماديا فإنها تنتكس أخلاقيا. والمصيبة الكبرى أنه توجد دول إسلامية انتكست ماديا وأخلاقيا، فلا استفادت من الغرب في الارتقاء بسبل التقدم ولا استفادت من تراثها في خلق الثقة ورفع راية الحرية وترسيخ ميزان العدل، فانهار اقتصادها من الداخل، وإن جمّلته خارجيا بالقروض وبناء الأحجار بديلا عن الإنسان، فبات دفع عجلة التنمية أسطوانة عفا عليها الزمن، ورفاهية الإنسان شعارا لا مكان له سوى في عالم المادة عند أهل السلطة ومن يسبح بحمدهم من أهل الثروة.

………….

نقلا عن “عربي 21”

Facebook Comments