دراسة دور الرئيس التركي رجب الطيب أردوغان في بناء علاقات تركيا الدولية وتطوير السياسة الخارجية يمكن أن تساهم في تطوير علم الدبلوماسية الرئاسية كمدخل لبناء العلاقات الدولية خلال القرن الـ21.

فهناك الكثير من المؤشرات -من أهمها تحليل رسائل وسائل التواصل الاجتماعي- تؤكد أن الرئيس أردوغان أصبح يتمتع بشعبية كبيرة في العالم الإسلامي، وأن الشعوب الإسلامية أصبحت تتطلع إلى دوره كقائد استطاع أن يحقق الكثير من الأهداف، من أهمها زيادة القوة الصلبة والناعمة لتركيا، وأن القوة التركية يمكن أن تشكل أساسا لقوة العالم الإسلامي.

وعلى الرغم من عداء وسائل الإعلام التابعة للنظم السلطوية الدكتاتورية في العالم العربي، ومحاولة تشويه صورته فإنه تمكن من بناء صورة إيجابية لنفسه ولدولته، وهذا يمكن أن يوضح أن رئيس الدولة عليه المسؤولية الأولى في بناء صورة دولته وسمعتها ومكانتها الإقليمية والدولي، وكسب القلوب، وتشكيل رأي عام مؤيد للدولة في الخارج. وبذلك، يمكن تطوير الوظيفة الدبلوماسية لرئيس الدولة ودوره في بناء القوة الناعمة.

التمسك بالمبادئ

المقارنة بين الدور الذي قام به أردوغان والدور الذي قام به ترامب يمكن أن تكشف لنا أهمية تمسك رئيس الدولة بالمبادئ والقيم، وقدرته على التعبير عنها، فأردوغان بنى خطابه لسنوات طويلة على المبادئ والقيم التي تعتز بها تركيا، وتؤكد على دورها التاريخي والإنساني.

أما ترامب فإنه قد صرح بعدم اهتمامه بالقوة الناعمة، وأنه يستخدم القوة الصلبة لتحقيق مصالح أميركا دون التقيد بالمبادئ والقيم، ولذلك تزايدت حدة العداء لأميركا في كل دول العالم، ونظرت الشعوب لها على أساس أنها دولة تقوم بنهب ثروات الشعوب، وتؤيد النظم الدكتاتورية التي تقوم بقهر شعوبها لفرض التبعية لأميركا عليها، وأنها تخلت عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، ولا تهتم بدورها الإنساني.

الدبلوماسية الإبداعية

في افتتاحه منتدى أنطاليا الدبلوماسي -الذي عقد في 18-20 يونيو/حزيران 2021- استخدم أردوغان مفهوما جديدا يمكن أن يشكل أساسا لتطوير العلاقات الدولية والسياسة الخارجية للدول هو مفهوم "الدبلوماسية الابتكارية أو الإبداعية"، قائلا إن العالم يتغير بسرعة، لذلك يجب أن نطور دبلوماسيتنا وعلاقاتنا الدولية، والدبلوماسية التركية تستند إلى معرفة وتجربة تاريخية، وهي في الوقت نفسه تستمد قوتها من القدرة على التفاعل مع الظروف المتغيرة.

لذلك، فإنه يتطلع إلى أن يصبح منتدى أنطاليا للدبلوماسية مركزا للدبلوماسية العالمية، حيث ستتحول رسائل الحوار والصداقة والتعاون التي سنرسلها فيه إلى موجات تنتشر عبر منطقتنا والعالم.

لكن، كيف يمكن تطوير مفهوم الدبلوماسية الإبداعية، وما علاقته بمفهوم الدبلوماسية الرئاسية؟

يقول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن عالمنا تستمر فيه الكثير من الصراعات لسنوات طويلة، لذلك فنحن نحتاج إلى مسارات جديدة يفتحها فن الدبلوماسية للتوصل إلى حلول سلمية للمشكلات، فأنت لا تستطيع أن تصافح يدا مقبوضة، وأفضل طريقة هي أن تحاول فتح القبضة باستخدام الدبلوماسية.

وأضاف الرئيس التركي في افتتاحه منتدى أنطاليا الدبلوماسي أن العالم يحتاج إلى رؤية دبلوماسية تقوم على تحليل التغيرات العالمية، وتقدم حلولا للمستقبل تستوعب المعرفة التاريخية.

ماذا يعني ذلك؟ إن بناء العلاقات الدولية والتحالفات في المستقبل لا بد أن يقوم على الربط بين الماضي والمستقبل، فالعلاقة بينهما قوية بحيث لا يمكن تصور بناء تحالف يتجاهل التاريخ ولا يحقق التقدم والتنمية والمصالح المتبادلة والفهم المشترك والحوار بين الشعوب، ورؤساء الدول يمكن أن يقوموا بدور مهم في بناء العلاقات الدولية عندما ينطلقون من تصورهم للمستقبل القائم على فهم واستيعاب المعرفة التاريخية، ورئيس الدولة يمكن أن يقوم بوظيفة مهمة في بناء رؤية دولته الدبلوماسية المستقبلية.

مواجهة كورونا

وأضاف الرئيس التركي أن وباء كورونا أظهر عجز المجتمع الدولي عن إدارة التأثيرات المدمرة لهذا الوباء، ومن أهمها أنه أدى إلى تعميق الإحساس بالظلم والفجوة بين الأغنياء والفقراء، حيث ترك مجلس الأمن الدولي إخواننا في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية لمصيرهم.

لكن، قبل أن نمضي في تصوير الرؤية الدبلوماسية لأردوغان لا بد أن نذكر أن تركيا قامت بدور إنساني يشكل إلهاما لكل الشعوب في تقديم الإغاثة والمعونات الإنسانية خلال أزمة كورونا، وتمكنت بذلك من بناء صورة إيجابية لنفسها، لذلك كانت إشارة الرئيس التركي في منتدى أنطاليا الدبلوماسي إلى أهمية المشاركة والتعاون لمواجهة الوباء.

ومن الواضح أنه قدم رؤيته دون الإشارة إلى المعونات الإنسانية التي قدمتها تركيا، فقد ترك العمل يوضح الصورة، لكنه أشار إلى مفهوم السياسة الخارجية الإنسانية، وهو مفهوم يمكن أن يساهم في بناء القوة الناعمة للدول.

استضافة اللاجئين السوريين

استضافت تركيا 4 ملايين لاجئ، فيما قدمت المعونات الإنسانية لأكثر من 5 ملايين إنسان خارج حدودها، وعملت على إعادة 430 ألف سوري إلى أرضهم، وقامت ببناء بيوت لهم في إدلب.

وقد أشار الرئيس التركي في خطابه إلى أن العالم لم يساعد تركيا في مواجهة المنظمات الإرهابية على الرغم من تحملها عبء استضافة اللاجئين.

منطقة سلام

وأضاف الرئيس التركي أنه يعمل لتحويل منطقة البحر الأبيض إلى منطقة سلام وازدهار وتعاون، ولذلك دعا إلى عقد مؤتمر لشرق البحر الأبيض المتوسط، لأن موارد الطاقة الموجودة في هذه المنطقة يمكن أن تقود إلى المواجهة أو التعاون.

وأشار إلى أن تركيا ستكون في المقدمة لمواجهة الإسلاموفوبيا والعنصرية الثقافية التي بلغت معدلات خطيرة، وأنها ستعمل على فتح آفاق العمل الدبلوماسي مع دول آسيا وأفريقيا، لذلك عقدت تركيا قمة الشراكة التركية الأفريقية عامي 2008 و2014، وقام الرئيس بزيارة 28 دولة أفريقية، وكان أول رئيس يزور الصومال عام 2011، والتي كانت تواجه أزمة إنسانية.

قوة عالمية

عندما عبرت حكومة حزب العدالة والتنمية عن طموحها للتحول إلى قوة عالمية انتقد السفراء الأتراك المتقاعدون هذا الاتجاه، كما انتقدوا إعطاء الدين أهمية كبيرة في السياسة الخارجية التركية، لكن الرئيس تمكن من أن يحقق قوة ناعمة لتركيا ساهمت في تحويلها إلى قوة عالمية.

ويقول الباحث التركي مرات أولجول إن أردوغان هو أكثر القادة الأتراك اهتماما بالدبلوماسية الشخصية، فهو يمتلك الثقة في قدراته الشخصية، وإنه قائد قوي يستطيع أن يؤثر على قادة الدول الآخرين وعلى البيئة السياسية الدولية، وإنه يتحمل المسؤولية لمواجهة المشكلات المحلية والدولية.

لذلك، ترتبط الدبلوماسية بقوة القيادة وشرعيتها وطموحها ورؤيتها لبناء علاقات الدولة الخارجية.

وقد تمكن أردوغان من التفاعل مع رؤساء الدول للتوصل إلى حلول للمشكلات، وإجراء المحادثات المباشرة، وفتح قنوات للاتصال مع قادة العالم، وقد نجحت هذه الاتصالات في تحقيق أهداف تركيا.

في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية

أثرت مواقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في مواجهة العدوان الإسرائيلي على غزة على الرأي العام في العالم العربي، وأدى ذلك إلى زيادة الإعجاب به وبالدور التركي، حيث طالب أردوغان قادة العالم بالقيام بأعمال موحدة ومؤثرة ضد الاعتداءات الإسرائيلية على غزة والقدس، وقام بإجراء اتصالات مع رؤساء الدول لمساندة الشعب الفلسطيني.

وقد وصف أردوغان الاعتداءات الإسرائيلية على غزة والقدس بأنها إرهاب يجب تعبئة العالم لمواجهته، واتخاذ خطوات عملية لتأييد الشعب الفلسطيني ومساندته، وحماية المدنيين الفلسطينيين، وبذلك تمكن من زيادة قوة تركيا الناعمة في العالم الإسلامي، وهذا يوضح أهمية الدبلوماسية الرئاسية، وأنها يمكن أن تساهم في بناء علاقات طويلة المدى مع الشعوب.

لذلك، فإن المستقبل يمكن أن يحمل الكثير من التحديات التي تفرض على الدول العربية والإسلامية التحالف مع تركيا باعتبارها الدولة القوية في المنطقة، والتي يمكن أن تساعد هذه الدول على تحقيق التقدم، كما أن الشعوب تتطلع إلى النموذج التركي، وأدى ذلك إلى أن يصبح أردوغان أكثر الرؤساء شعبية في العالمين العربي والإسلامي.

لهذا، يمكن أن تشكل دراسة تجربة أردوغان تطويرا لوظيفة رئيس الدولة في تشكيل رأي عام يساهم في تحقيق أهداف السياسة الخارجية للدولة، وفي بناء قوتها الناعمة ودور الدبلوماسية الرئاسية في تطوير العلاقات الدولية.

Facebook Comments