عملا بالصلاحيات المخولة لي بأمري منعت أفراد أسرتي من التخلص من عبوات الزبادي/ الروب لأن ديباجاتها تفيد بانقضاء أمد صلاحيتها، وأظل أتناول محتوياتها حتى بعد سبعة أو عشرة أيام بعد تاريخ الصلاحية المثبت في الديباجات، ولا أفعل ذلك مستندا إلى معلومة من مصدر علمي أو طبي، بل استنادا إلى مشاهدات في البيت، حيث كانت ربة البيت تتولى إعداد الروب وتوابعه، وعطفا على ذلك فإنني لا أعبأ بتواريخ أمد الصلاحية في مواد غذائية مثل الرز الأبيض والبقول من فول وعدس وفاصوليا والملح والسكر وعسل النحل، لأنني أعرف عن تجربة ومعايشة أنها قد تصمد وتظل صالحة للاستهلاك الآدمي لربع قرن أحيانا.

في مراحل صبانا وشبابنا الباكر لم تكن للسلع الاستهلاكية أو حتى العقاقير الطبية تواريخ صلاحية، فتلك حقبة لم يعرف فيها الناس الهلع الاستهلاكي الذي يستوجب شراء مؤونة الأسبوع أو الشهر من المواد الغذائية، ولم تكن هناك متلازمة تخزين الدواء، لأن الحكومات كانت تتولى أمر توفير الأدوية بلا مقابل في معظم الأحيان، وحتى عند شراء عقار طبي من صيدلية تجارية كان الناس يشترون فقط الكمية/ العدد الذي أوصى به الطبيب لأجل معلوم.

ثم جاء عصر تسليع كل شيء يدر المال، وصار أمد صلاحية معظم المنتجات والسلع مجرد حيلة تجارية لتغذية النزعات الاستهلاكية: تشتري سلعة وتستخدم جانبا منه أو تتركه مخزونا، ثم تنتبه إلى حلول تاريخ انتهاء الصلاحية فتتخلص منه لتعود وتشتري ما هو ساري المفعول والصلاحية منها، وما من جهة توظف تلك النزعات لرفع سقوف منتجاتها وأرباحها كالشركات المنتجة للأدوية الصيدلانية، وهكذا يتم دوريا وعلى نحو منتظم التخلص من أدوية قيمتها مليارية، واقتناء أخرى من ذات الأصناف تكون صالحة للاستخدام الآدمي كما تفيد الديباجات لسنتين أو ثلاث على أبعد تقدير.

وكما أن الدولار الأمريكي صار عملة عالمية معيارية، فإن السلطات الصيدلانية في جميع البلدان تقريبا تجعل وكالة الأغذية والدواء الأمريكية (FDA) مرجعية للحكم على فعالية وصلاحية العقاقير الطبية، بينما يفيد تقرير نشرته مؤسسة بروبابليكا (غير ربحية متخصصة في الصحافة الاستقصائية وتحظى بالكثير من الاحترام، وهي أول منصة الكترونية تفوز بجائزة بوليتزر الأمريكية للتميز الصحفي) ـ يفيد التقرير الذي صدر قبل نحو عامين بأن المستشفيات الحكومية الأمريكية والتزاما منها بضوابط الوصفات الطبية وآماد صلاحيات الأدوية تهدر سنويا ما قيمته 765 مليار دولار، أي رُبع ميزانية الخدمات الطبية بتخلصها من مخزوناتها من العقاقير امتثالا لتلك الضوابط.

ثم قامت بروبابليكا بنقل نتائج دراسات قام بها فريق من العلماء الأمريكان في مجالات السموم والكيمياء الدوائية بعد تحليل مكونات عقاقير طبية تم إنتاجها قبل عشرين وثلاثين سنة، ونشروا مخرجات دراستهم التي أفادت بأن الكثير من العقاقير الطبية الصلبة تظل في معظمها ذات فعالية، أو تبقى معظم مكوناتها في كامل عافيتها حتى بعد انقضاء آماد صلاحيتها التي حددها منتجوها، وكانت مبادرة الدراسة من البروفسر روي غيرونا أستاذ علم الأدوية في جامعة كاليفورنيا، الذي عاش الشطر الأول من حياته في موطنه الأصلي الفلبين، حيث ظل يتعاطى أدوية صلاحيتها منتهية (لانعدام البدائل سارية المفعول) كلما اعتلت صحته، وأفاد في تقارير محكمة أن تلك الأدوية ساعدته على البرء دون آثار جانبية سالبة ذات شأن.

ولا ينكر الباحثون الذين يقولون إن معظم العقاقير الطبية غير السائلة تحمل تواريخ صلاحية قصيرة الأمد لأسباب تجارية في معظمها وجوهرها، وأن كثيرا من تلك العقاقير تفقد جانبا من خاصياتها بعد انقضاء آماد صلاحيتها، ولكن دون أن تصبح معطوبة تماما أو ذات تأثير ضار بالصحة كما توحي التحذيرات المصاحبة لها، ولكنهم يتهمون الشركات المنتجة للأدوية بأنها تعمد إلى إهمال أي دراسة قد تفضي إلى تطويل أمد صلاحيات منتجاتها، لأن ذلك قد يرفع أسعارها للمستهلك، بينما من مصلحتها تجاريا أن تنتج وتبيع كميات ضخمة منها بأسعار "معقولة"، ثم يتم التخلص من الكثير منها امتثالا لما يجيء في ديباجاتها بشأن صلاحيتها، ثم شراء مخزون جديد منها.

هذه حقيقة أدركتها وزارة الدفاع الأمريكية في عام 1986، ودشنت من ثم "برنامج تمديد صلاحيات الأدوية"، حيث تم ـ مثلا ـ اكتشاف أن هناك 122 عقارا طبيا يظل مفعولها ساريا بكفاءة لنحو أربع سنوات من تواريخ انتهاء صلاحيتها على ذمة منتجيها، وفي عام 2016 كانت كلفة تسيير ذلك البرنامج ثلاثة ملايين دولار، ولكن تمديد صلاحية الكثير من الأدوية قاد إلى توفير أكثر من ملياري دولار.

ومع أن أهل العلم الطبي يقولون إن كثيرا من الأدوية يظل فعالا بعد مدد متفاوتة الطول من تواريخ صلاحيتها، إلا أن المواطن ـ المستهلك العادي يظل من باب إيثار السلامة "يحترم" ضوابط استخدامها بما في ذلك التخلص منها وفق ما تنص عليه ديباجاتها.

……………

نقلا عن "عربي 21"

Facebook Comments