على الرّغم من أنّ رحيل الكبار موجعٌ إلّا أنّ خلف غلالة الحزن معاني لا بدّ من التوقّف معها لا على سبيل الرّثاء والمدائح الفجائعيّة بل على سبيل استلهام الدّروس وبناء القناعات في زمن استنسار البغاث الافتراضيّ وتيه العلاقة بين الشباب المسلم ومرجعيّاتهم من العلماء والدّعاة. وحين نتحدّث عن القرضاوي الإمام فإننا لا نقصد به محض شخص كان اسمه الشيخ يوسف القرضاوي؛ فالرّجلُ على مدى قرنٍ هجريّ عاشها للإسلام بكلّ أنفاسِه تحوّل من شخصٍ إلى مدرسة ومن فردٍ إلى منهج؛ فنحن أمام مدرسةٍ اسمها القرضاوي وأمام منهجٍ في الطلب ومنهج في العطاء ومنهج في العمل اسمه القرضاوي. ومن نافلة القول أنّه لا عصمة لأحد بعد الأنبياء، فلم يكن القرَضاوي معصومًا ولكن إذا بلغ الماء قُلّتين لم يحمل الخبث فكيف إن كان الماء بحرًا زاخرًا ونهرًا جاريًا؟ فذلك بحرٌ ونهرٌ ــ لعمري ــ لا تكدّره الدّلاءُ. ولكن السّؤال الذي يلحّ على الذّهن في حالة الإمام القرضاوي؛ ما الذي تفرّد به القرَضاوي حتّى يكون مالئ الدّنيا وشاغل النّاس في حياته وعند وفاته؟ ما الذي يجعله في صدارة الشّخصيات العلميّة الشرعيّة التي تناولتها الجامعات ومراكز الأبحاث بالدّراسة في حياتها بمختلف اللغات؟

فلك أن تتخيّل أنّ عدد الأوراق البحثيّة التي ألّفت عن الإمام القرضاوي باللغة الإنكليزيّة وحدها تجاوز ألف ورقةٍ بحثيّة كما أفاد كتاب "دليل الباحثين إلى كتابات العلامة الدكتور يوسف القرضاوي والكتابات عنه" وما الذي يجعله معروفًا عند أجيال متعاقبة من الشباب فيبني وعيها ويؤسّس فكرها ويرسم توجهاتها الشرعيّة والفقهيّة والفكريّة؟ وعند وفاته لم تضجّ بالرّحيل مؤسّسات العلماء فحسب بل تحوّلت وسائل التّواصل الاجتماعيّ إلى سرادقات تعزية فلا تكاد تجدُ حديثًا عن غيره فيها. إنّ ما تفرّد به الإمام القرضاوي وجعل له كلّ هذا الحضور والتأثير في حياته وعند موته هو أنّه قد اجتمع فيه ما تفرّق في أشخاص كثر، وحوى في شخصه وحده ما يعجز عن حمله العصبة أولو القوة من أهل العلم مجتمعين؛ فقد اجتمعت فيه صفات ومزايا قد تجدُ إحداها في أحد العلماء ولكنّ القوّة كلّها في اجتماعها معًا في شخص واحد، ولعمري ما اجتمعت في هذا العصر في شخصٍ اجتماعها في شخص إمامنا القرَضاوي. ومن هذه المزايا التي قد نجد إحداها في آحاد العلماء لكنّها كلّها اجتمعت في شخص القرضاوي بأجلى صورها وأنصع تجلّياتها.

أولًا: موسوعيّة العلم مع تبسيط الطرح فالإمام كان علمه موسوعيًّا يأخذ من علوم الشريعة كلّها واللغة والمنطق بلبّها لا بأطرافها، وهو عالمٌ بكلّ هذه العلوم أستاذٌ للمتخصصين فيها ومن عظيم علمه أنّه استطاع تقديمها للنّاس بأسلوب سهلٍ لا تكلّف فيه ولا تعقيد ولا تسطيح، وهذا لا يستطيعه إلّا من أخذ من العلم بخطامه وحوى أطرافه.

ثانيًا: الجمع بين الأصالة والمعاصرة فهو ينطلق من التراث وكتبه التي قرأها وهضمها وغدا بها عالمًا لا مجرّد مطّلع عليها؛ لكنّه لم يبقَ أسيرًا فيها وبعباراتها؛ بل استند إليها للتّعامل مع واقعٍ معاصرٍ متجدّد؛ فكان من أعرف النّاس بدقائق النّوازل المستجدة، قادرًا على إيجاد الحكم الشرعيّ فيها؛ فغدا مرجًعا رئيسًا في قضايا المسلمين في مختلف البلدان المسلمة وغير المسلمة وفي مسائلهم المستجدة.

ثالثًا: الجمع بين الثّبات والمرونة فالإمام ينطلق من أصول ثابتة يستند إليها، ويقف على أرض صلبةٍ لا تميد تحته، وهو متمسك بالثّوابت الشّرعيّة التي ينطلق منها ولا يحيد عنها، ومع ذلك فهو يتّسم بالمرونة في التّعامل مع القضايا المعروضة يسعى إلى ترسيخ فقه التيسير، كما أبدع في تحرير فقه الموازنات وفقه الأولويات وقدّمه للنّاس سائغًا حلوًا؛ فترى فريقًا يتّهمه بالتشدّد، وفريقًا يتّهمه بالتّمييع، وهذا أمارة خيرٍ منهجيّة.

رابعًا: الجمع بين الفقه والفكر فقد كان الإمام مفكرًا عميقًا، ومنظرًا فكريًا قلّ نظيره، عالمًا بالتّيارات الفكريّة على مدار التّاريخ، الناشئة منها في الواقع الإسلاميّ والغربيّة كذلك؛ يناقشها بعمق ويفنّد أفكارها بحجّة بالغة وبهدوءٍ بالغ دون انفعالٍ أو توتر لفظي أو منهجي.

خامسًا: الجرأة التجديديّة المتزنة فالإمام هو عنوان التجديد الفقهيّ وعنوان التجديد الدّعوي في هذا العصر، وهو في طرح اجتهاداته الجديدة جريء لا يهاب مخالفًا ولا خصمًا ولا تيّارًا معاكسًا جارفًا؛ فهو لم يعتد السّباحة مع التيّار بل كان يصنع التيّار الذي يسبح فيه، وجرأته التجديديّة هذه جرأة متّزنة ومتوازنة، فهي ليست حالة من السّيولة والانفلات من كل الضّوابط باسم التجديد، وهي أيضًا جرأة تجديديّة منبعها الحرص على الإسلام؛ فهو تجديدٌ من داخل البيت الإسلاميّ وليس تجديدًا لإرضاء الغرب أو خوفًا من الاتّهام بالإرهاب أو تلبيةً لمتطلبات حاكمٍ مستبد.

سادسًا: الجمع بين الفقه والدّعوة.

لم يكن الإمام فقيها يعيشُ بين الكتب فحسب، ويتابع الأحداث من برج عاجيّ منفصلٍ عن الواقع بل كان داعيةً متحرّكًا بين النّاس وفي صفوف الشّباب ومع شرائح المجتمع، وفي العصر الذي ابتليت فيه الأمّة بفقهاء لا حظّ لهم من الدّعوة، وبدعاة لا حظّ لهم من الفقه؛ كان الإمام القرضاوي في جمعه بين الفقه والدّعوة نموذجًا لما ينبغي أن يكون عليه الفقيه من تحرك عمليّ في أوساط النّاس، ونموذجًا لما يجب أن يكون عليه الدّاعية من بناء فقهيّ وعلمي رصين قبل الانخراط في عمل الدّعوة.

سابعًا: الفقيه الثّائر من بداية حياته إلى موته بقي الإمام ثائرًا على الظلم والطغيان والاستبداد والاحتلال، والأخاديد التي صنعتها السّياط في ظهره في السجن الحربي وبقيت معه إلى وفاته تشهد له بأنّه عندما قال: ضع في يدي القيد ألهب أضلعي بالسّوط؛ ضع عنقي على السّكينِ لن تستطيع حصارَ فكري ساعةً أو نزع إيماني وردّ يقيني تشهد أنّه لم يكن إمامًا قوّالًا بل إمامًا فعّالًا، وقد بقي ثابتًا على موقفه إلى مماته، فناصر كل مظلومٍ في الأرض، وجابه الطّغاة والمحتلين، وكان النّصير الأبرز من العلماء لثورات الشّعوب في الربيع العربي، وكان يعدّ تزوير الانتخابات من أكبر الكبائر، والانقلابات العسكريّة من أكبر الكبائر وأعظم الجرائم، وما فتئ يحارب ويجابه الاحتلال الصّهيونيّ ويعلن دعمه لكلّ أشكال مقاومته وانتصاره لها. ويكفيك أن تعلم أنّه اجتمع على الفرح بموته الكيان الصّهيوني وأنصار الطّغاة من الحكام المجرمين وذباب الثّورات المضادة الالكترونيّ، فهذا والله شهادةٌ عظيمة له تزيد في رفعته وتزيدُ في ذلّهم وهوانهم.

ثامنًا: همّة التأليف إن نظرتَ إلى جهود الإمام في العمل العام فتظن أنّه لم ينشغل بغيره فما يفعله في العمل العام يحتاج إلى أكثر من حياة، وحين تنظر إلى مؤلفاته التي ستخرج في موسوعة قوامها مئة مجلّد كلّها مؤلفات نوعيّة إبداعيّة ليست من قبيل تكرار المكرّر ولا النّسخ واللصق؛ تظنّ أنّه انقطع عن الحياة للتأليف فحسب، إنّها بركة الوقت وهمّة العمل والنّفوس الكبيرة التي تتعب في مرادها الأجسام.

تاسعًا: العقل المؤسّسي تميّز الإمام بعقليّة مؤسّسيّة فذّة، فعمل على تأسيس المؤسسات للعلماء والفقهاء والدّعاة، فعلى سبيل المثال لا الحصر هو مؤسس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ومؤسّس المجلس الأوروبيّ للإفتاء والبحوث، ومؤسّس كليّة الشريعة في جامعة قطر. هذه العقليّة المؤسّسية قلّ من يتسم بها من الفقهاء الكبار، وهي تحتاج إلى جهود كبيرة ومضنية ووقت عريض ومع ذلك كان يتصدّى لها الإمام القرضاوي باقتدار كبير.

عاشرًا: الرقيّ مع الخصوم وإهمال المعارك الجانبيّة ممّا تميّز به الإمام أنّه كان عفّ اللّسان مع المخالفين له والمسيئين له على السّواء، وكان يترفّع على الردّ على من يؤلّفون الرّدود عليه ويكيلون له السّباب والشتائم، ولعلّه كان من أكثر من تعرّض للهجوم في هذا العصر بسبب مواقفه الجريئة الاجتهاديّة والفقهيّة والسّياسيّة، ومع ذلك كان يسارع إلى إنصاف مخالفيه ومنتقديه، ويتراجع في العلن معتذرًا عن أيّ خطأ اجتهاديّ يظهر له وقوعه فيه، وكان حريصًا ألّا يدخل في معارك مع غير الطّغاة والمستبدّين والمحتلّين، ويوجه الشّباب إلى تركيز معركتهم مع الطّغيان والاستبداد والاحتلال وعدم الانشغال بالخصومات، وهذا رقيّ نفسيّ وخلق عظيم لا يستطيعه إلّا الكبارُ حقًّا. تلك إذن عشرة كاملة، قد يوجد أحدها في آحاد العلماء والدّعاة، ولكن اجتماعها العشرة في شخص واحد هو التفرّد الذي اتسم به الإمام القرضاوي، فاجتماعها كلّها في شخص القرضاوي هو الذي جعله إمام العصر، فالإمامة ليست محض لقبٍ يطلقه من شاء على من شاء بل هي الزعامة التي يكسبها من أفنى عمره لأجل رفعة هذا الدين واجتمعت فيه من الصفات والمزايا ما عزّ اجتماعها فيمن سواه. باجتماع هذه المزايا كلّها في شخص الإمام القرضاوي حقّ له أن يتفرّد في حياته وفي موته، وحق له أن يغدو القرضاوي الإمام، والقرضاوي المدرسة، والقرضاوي المنهج.

Facebook Comments