لا أحد عاقلاً ينكر حجم الأزمة العنيفة التي يتعرض لها الاقتصاد المصري، والتي ألقت بظلالها على كلّ شيء، الأسواق والأسعار والأنشطة الاقتصادية وقطاع الأعمال والبنوك والبورصة والعملة والاستثمار الأجنبي وغيرها، بل وعلى الحالة النفسية والاجتماعية للمواطن، وقبلهما القدرة الشرائية وتآكل المدخرات وزيادة الفقر والبطالة والتضخم.

وأي مواطن لا يعرف ألف باء الاقتصاد يدرك أن هناك أزمة عنيفة في سوق الصرف الأجنبي، وأن الجنيه المصري، الذي فقد أكثر من 55% من قيمته منذ شهر مارس/آذار الماضي، يواصل تراجعه أمام الدولار، وأنه لا نهاية قريبة لهذا التراجع.

وأنّ هناك 3 أسعار للدولار في السوق، الأول بقيمة 24.6 جنيها ومتداول داخل البنوك وشركات الصرافة وهو السعر الرسمي، والثاني في حدود 27 جنيهاً وهو سعر السوق الموازية أي السوداء غير المعترف بها.

وسعر ثالث يتراوح ما بين 29 و30 جنيهاً وهو السعر الذي يعتمده تجار الذهب والشركات وكبار المستوردين والمنتجين والموردين والمضاربين، وهو السعر الذي يخص المبالغ الدولارية الكبيرة.

ولا أحد ينكر حجم الارتباك الكبير الذي تشهده السوق المصرية حالياً في ظلّ غلاء فاحش للأسعار لا سقف له، ونقص ملحوظ في الدولار مع طلب متزايد، وشائعات عن خفض جديد للجنيه قد يدفع أصحاب المدخرات الدولارية نحو التمسك بحيازة ما لديهم من نقد أجنبي وعدم التفريط فيه حاليا أو تسييله إلى عملة محلية، أملا في الحصول على ربح غالٍ يغطي ولو جزءاً من كلفة الغلاء.

كما تجدد الحديث عن وجود خلافات مع صندوق النقد الدولي أجلت وصول الشريحة الأولى من قرض بقيمة 3 مليارات دولار، ويستند الحديث إلى عدم إدراج الصندوق حتى الآن الطلب المصري الخاص بالحصول على قرض جديد على أجندة اجتماع مجلسه التنسيقي المقرر انعقاده خلال الشهر الجاري.

وهناك أزمات الاعتمادات المستندية المعلقة في البنوك، ومعاناة القطاع الإنتاجي، خاصة الصناعي، من ندرة الدولار أو زيادة كلفته، ورفع تكاليف الإنتاج والتشغيل بمعدلات كبيرة، تتوازي مع المعدلات السائدة في دول الفوائض المالية مثل دول الخليج.

في ظل هذه الأجواء السلبية، تُنشر شائعات حول قرب إجراء تعويم هو الرابع للجنيه منذ 2016 والثالث خلال العام الجاري، وهي الشائعات المطلوب وضع حد لها من قبل البنك المركزي والحكومة بسبب مخاطرها الشديدة على الأسواق، وتغذية عمليات المضاربة على الدولار وزيادة اكتنازه، خاصة مع تنامي توقعات زيادة السعر في الفترة المقبلة.

الجنيه نحو قاع جديد من الانخفاض مع ضغوط صندوق النقد، وسوق الصرف بات أرضا خصبة للشائعات، وإدارة الحكومة الملف تتسم بالارتباك الشديد والتردد وربما الفشل في ظل خيارات محدودة، وزيادة أعباء الدين الخارجي، وتأخر وصول الأموال الساخنة وأموال الصندوق، والمستثمر الأجنبي يتريث بعض الوقت لشراء أصول بثمن بخس.

والساحة امتلأت بأدعياء اقتصاد وإدارة أموال يطلقون على أنفسهم خبراء ويتحدثون بكل أريحية عن وصول الدولار إلى مستويات قياسية، ويثيرون الذعر بين المواطنين بخاصة هؤلاء الذين لا تعنيهم قصة الدولار من قريب أو بعيد، كل ما يعنيهم هو أن ترتد الأسعار نحو الانخفاض، أو على الأقل تحصل على هدنة.

لابد أن نعترف أن الأزمة الحالية أكبر من قدرات وإمكانات الحكومة الحالية، التي تقف عاجزة عن طرح حلول عملية وواقعية، حلول لا تمس السيادة الوطنية أو تغرق البلاد في مزيد من الديون.

وأن الأزمة أعمق من أن تُحَل عبر تعويم رابع وخامس للجنيه، وزيادة سعر الفائدة، ومد أجل سداد الودائع الخليجية، أو الحصول على قروض جديدة، أو جذب أموال ساخنة، أو بيع مزيد من أصول الدولة سواء أكانت بنوكاً أم شركات.

الأزمة أعمق من ذلك بكثير وبحاجة إلى حلّ شامل يبدأ بإصلاح سياسي جذري وحقيقي، وينتهي عند طمأنة المواطن في الداخل أو الخارج على أموالهم ومدخراتهم وعدم تآكلها بفعل التضخم والدولرة، ويمر بأمور كثيرة منها الافراج عن رجل الأعمال صفوان ثابت ونجله، ووقف سفه الاقتراض الخارجي، وزيادة الإنتاج المحلي خاصة من الحبوب والأدوية والمشتقات البترولية للحد من الورادات التي تلتهم أكثر من 80 مليار دولار سنويا من موارد الدولة الدولارية.

Facebook Comments