من يملك غذاءه يملك قراره.تلك كانت استراتيجية الرئيس الشهيد محمد مرسي، التي خلدها بخطابه من مزارع القمح بغرب مصر، والتي عجلت أذناب الفساد وبارونات قتل الشعوب، للانقلاب عليه، وهو ما يسعى السيسي منذ انقلابه للعمل على عكسه، بتشجيع الاستيراد وقتل الإنتاج المحلي وإهماله، وضرب سعره أرضا، وهو ما يجعل الفلاحين كارهين للإنتاج والعمل أساسا.
وفي الوقت الذي تقدم دول كالبرازيل وبنجلاديش والهند دعما ماليا للفلاحين وشراء محاصيلهم قبل زراعتها، من خلال برمج الزراعة التعاقدية، يدفع السيسي الفلاح نحو الكفر بالزراعة أساسا، وذلك من خلال فتح باب الاستيراد لنفس السلعة التي ينتجها الفلاح، وقبيل أيام من موسم حصاده، ما يخفض أسعار المنتج المحلي، الذي لا يغطي محصوله تكلفة إنتاجه، وهو ما تكرر مع بنجر السكر وقصب السكر، وتسبب في أزمة السكر التي يعيشها المصريون حاليا، ويتكرر مع القمح والقطن، في تدمير متعمد للزراعة المحلية.
ضمن سياسات التخريب، التي لا توصف إلا بالجنون من قبل نظام السيسي، فاجأت الحكومة المصرية، أكبر مشتر للقمح على مستوى العالم بنحو 12 مليون طن سنويا، السوق المحلي بتقليص مستهدفات شراء القمح إلى 3.5 مليون طن من المزارعين بدلا من متوسط 4 ملايين خلال موسم توريد القمح الحالي.
وأثار بيان وزير التموين والتجارة الداخلية علي المصيلحي، مطلع الأسبوع، بخفض الكميات المستهدفة تساؤلات حول أسباب تخفيض المستهدف من القمح المحلي، ولصالح من هذا التخفيض؟ وأين دور الدولة في تشجيع المزارعين على زراعة القمح؟ وماذا عن تصريحات الحكومة المصرية بشأن تحقيق الاكتفاء الذاتي؟.
تستهدف مصر تحقيق 70% من الاكتفاء الذاتي من القمح بحلول 2030، بحسب مستهدفات مجلس الوزراء المصري بدلا من 50% الآن.
وإذا كانت الحكومة لن تشتري سوى 3.5 مليون طن فقط من أصل حوالي 20 مليون طن، فلماذا تفضل اللجوء للقمح المستورد الأقل جودة، إذ يعتبر القمح المصري من أفضل أنواع القمح، ولا يضاهيه سوى القمح الأمريكي.
وزادت الحكومة المصرية سعر توريد القمح المحلي لموسم 2024-2025، الذي يبدأ منتصف الشهر الجاري 25%، ليكون سعر التوريد 2000 جنيه للأردب (150 كيلو جراما)، بعد تحرير سعر الصرف وهبوط الجنيه بأكثر من 60%.
ولكن مزارعين اعتبروا السعر منخفض بعد خفض قيمة الجنيه 60% وزيادة سعر لتر السولار 21% وارتفاع مستلزمات الإنتاج من الأسمدة والمبيدات وماكينات الري والأيدي العاملة وآلات الحصاد والجمع والنقل.
والقمح هو المحصول الاستراتيجي الأول في مصر، وتستخدمه الحكومة في إنتاج الخبز المدعم لنحو أكثر من 70 مليون مواطن على بطاقات التموين، وتستهلك ما يقارب 20 مليون طن سنويا تزرع منها 10 ملايين طن، وتستورد ما بين 10 و12 مليون طن من الخارج، معظمه من روسيا وأوكرانيا.
وزرعت مصر ما يصل إلى 3.250 مليون فدان من القمح الموسم الجاري، وهو أقل من المساحة المستهدفة التي تتراوح بين 3.6 و 3.9 مليون فدان، ولكنها تظل أرقام بعيدة عن الواقع، ولتعزيز الشعور الوطني بالاهتمام بالمحصول الاستراتيجي.
بسبب أسعار توريد القمح المتدنية؛ فشلت وزارة التموين على مدار الموسمين الماضيين في جمع مستهدفاتها من القمح المحلي، بسبب منافسة القطاع الخاص على شرائه، وارتفاع أسعار الأعلاف ما دفع المزارعين إلى الاحتفاظ بالقمح، رغم إلزام المزارعين بتوريد المحصول وفرض غرامات وعقوبات تصل إلى الحبس.
مخطط جهنمي
ووفق تقديرات استراتيجية، فإنه خلال السنوات التي تلت انقلاب 2013 العسكري، كانت الحكومة تعلن عن استهداف شراء كميات من القمح المحلي مبالغ فيها، للإيهام بأنها تدعم الإنتاج المحلي وتسعى لتحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح باعتباره أحد مقومات الأمن الغذائي الذي يحقق الأمن القومي والاستقلال السياسي، و للمزايدة على خطط الرئيس محمد مرسي الذي حقق نسبة كبيرة من هدفه الذي أعلنه بوصوله للحكم، إنتاج الغذاء والدواء والسلاح.
ولكن الواقع أثبت تلاعب الحكومة، وأنها غير جادة في الاكتفاء الذاتي من القمح ولا غيره من المحاصيل الأساسية، وبالعكس، أظهرت السياسات الزراعية لنظام السيسي تراجعا في مساحة القمح والأرز والقطن وقصب السكر والذرة، لحد محاربة زراعة تلك المحاصيل، بسبب فرض النظام أسعار شراء بخسة للفلاحين وإجبار المزارعين على التخلي عن فكرة التوسع في زراعتها بسبب الخسائر التي تتحقق، ما أدى لزيادة نسبة الواردات الأجنبية من تلك السلع، في وقت تعاني فيه البلاد من أزمة دولارات.
ويستفيد من تلك السياساتت الكارثية مجموعة من المنتفعين من السماسرة واللواءات أصحاب شركات الاستيراد وكبار التجار ، في وقت يتم تدمير الزراعة الوطنية.
ولعل إدراك الحكومة أن السعر الذي فرضته لشراء القمح من الفلاحين هو 2000 جنيه للأردب غير مجز، ويقل عن سعر العلف الحيواني، وبالتالي سيحتفظ الفلاح بالفائض لديه من القمح، ليبيعه للمواطنين بسعر أعلى أو يستخدمه كعلف للماشية.
يشار إلى أن قرار رفع السولار من 8.25 جنيهات إلى 10 جنيهات سيرفع تكلفة حصاد ونقل القمح بأرقام كبيرة.
ولعل الإهمال الحكومي لمطالب الفلاحين، هو ما أدى إلى تقليص الحكومة لمستهدفاتها من شراء القمح المحلي، من جهة، ومن جهة أخرى تريد الضغط على الفلاحين، لإجبارهم على البيع بسعر متدن، فبعد السعي لشراء 6 مليون طن عام 2022 ثم انخفضت إلى 4 عام 2023 ثم إلى 3.5 مليون طن هذا الموسم في إشارة ربما لإفساح المجال أمام الوافد الجديد في سوق القمح المصري وهي الإمارات عبر شركة الظاهرة التي عقدت اتفاق لشراء القمح المستورد بقيمة 500 مليون دولار.
ويبقى الخطر في استمرار هذا التعاطي مع الفلاحين وفي السلع الاستراتيجية سيدفع الفلاحين للتخلي عنها والتوجه لمحاصيل أخرى توفر عليهم أموالا طائلة، كالفواكه والسلع غير الأساسية، وهو نفس ما حصل مع فلاحي الصعيد عن زراعة قصب السكر، وهذا بدا واضحا في أزمة السكر الأخيرة.
ولعل انتهاج تلك السياسات يصيب الزراعة المصرية والإنتاج القومي في مقتل ويرهن الأمن الغذائي المصري على الخارج، ومن ثم رهن الإرادة والقرار المصري للخارج.
