التطور الأبرز في العلاقات المصرية – التركية هو أن تصريحات وزير خارجية السيسي بدر عبدالعاطي (لا ننسى دعم أردوغان للإخوان، والتحالف مع اليونان وقبرص ثابت) أعادت التوتر إلى الواجهة، إذ فسرتها أنقرة كإشارة إلى أن القاهرة لم تتجاوز بعد ملف دعم أردوغان للإخوان وهي البطحة التي سيظل يتحسسها المنقلبون، رغم التحسن الملحوظ في العلاقات منذ 2024، ويرى الخبراء أن مصر ترسل "رسالة مزدوجة" تجمع بين الانفتاح على تركيا والحفاظ على تحالفها مع اليونان وقبرص.
في حين أن تركيا تمد "غصن الزيتون" لمصر، زيارات متبادلة بين أردوغان والسيسي وتصريحات عبدالعاطي اعتُبرت استفزازًا يعيد الماضي مع دعم قوي لمصر كحامية أمن الاتحاد الأوروبي بتعزيز السيسي التحالف الثلاثي ضد النفوذ التركي في شرق المتوسط.
إلا أن ملف الإخوان المسلمين يظل نقطة خلافية رئيسية، تستخدمها القاهرة كورقة ضغط ويبدو أنها ستستمر إلى أجل حيث أن هذا الاستفزاز من عبدالعاطي-السيسي ربما يكون سببه أن الرئيس التركي لم يؤمأ له السلام بإشارة رابعة في دافوس التي ذهب إليها رئيس الانقلاب للقاء الرئيس الأمريكي ترامب لويجه له الشكر على السماح بقتل نحو 70 ألفا من مسلمي وأطفال فلسطين التي لا يفصلنا عنها سوى باب حديد طوله عدة أمتار.
أما حرص مصر على عدم خسارة دعم اليونان وقبرص، فكان ترسيم الحدود البحرية الذي انتقص من حدودنا البحرية طعنا بالسهم في أعيننا نكاية في أنقرة، وتنازل السيسي عن أكبر حقول للغاز في المتوسط بموجب هذا الترسيم ما يمثل حدا من مرونة التقارب مع أنقرة.
وأي تصريحات غير محسوبة قد تؤدي إلى انتكاسة في مسار المصالحة، خصوصًا مع اقتراب زيارة أردوغان المرتقبة.
وسائل الإعلام التركية ومنها (يني شفق) وصفت تصريحات عبدالعاطي بأنها "تصعيد غير متوقع"، خاصة وأنها جاءت قبل زيارة أردوغان المرتقبة إلى القاهرة. اعتُبرت بمثابة تذكير بأن ملف الإخوان لا يزال عالقًا في الذاكرة المصرية.
وأكدت القاهرة عبر تصريحات عبدالعاطي أن التحسن في العلاقات لا يعني نسيان الماضي، وأن مصر متمسكة بتحالفاتها الاستراتيجية مع اليونان وقبرص.
وأشاد وزير الخارجية اليوناني كومبوس بمصر واعتبرها "حامية أمن الاتحاد الأوروبي"، مشددًا على دعم بروكسل القوي للقاهرة في ملفات الهجرة والأمن .
وليس هذا التشظي من قبل السيسي وخارجيته الأول فسبق أن غابت مصر عن اجتماع غزة الوزاري في إسطنبول والذي حضره ممثلون للدول الثمانية التي التقت ترامب في الولايات المتحدة في الربع الأخير من 2025 وعلق عليه حافظ المرازي قائلا "العلاقات المصرية–التركية، رغم ما يعتريها من توترات سياسية متكررة، تحمل في جوهرها مجموعة من المشتركات التي تجعلها قادرة على الاستمرار والتجدد".
وأضاف أنه منذ عام 2013، ظل ملف الجماعة نقطة خلافية أساسية بين القاهرة وأنقرة، لكن في المقابل لم تنقطع الروابط الاقتصادية والتجارية، حيث بقيت تركيا أحد أهم الشركاء التجاريين لمصر، فيما تعد القاهرة بوابة تركيا إلى أفريقيا. هذا التداخل الاقتصادي خلق أرضية مشتركة تسمح باستمرار التواصل حتى في أوقات الأزمة.
وأضاف أنه "على المستوى الإقليمي، يتقاطع البلدان في ملفات حساسة مثل غزة وليبيا، وإن كان ذلك أحيانًا من موقع التنافس. ففي غزة، شاركا مع أطراف أخرى في صياغة اتفاق وقف إطلاق النار الذي وُقّع في شرم الشيخ، ما يعكس إدراكهما أن استقرار القطاع لا يمكن تحقيقه دون دور مصري–تركي. أما في ليبيا، فبينما تطالب القاهرة بخروج القوات الأجنبية، بما فيها التركية، ترى أنقرة أن وجودها هناك جزء من معادلة الأمن الإقليمي. هذا التباين لا يلغي حقيقة أن كلا الطرفين يضع أمن حدوده ومصالحه الاستراتيجية في صدارة أولوياته.".
وأشار إلى أنه كذلك، يشترك البلدان في إدراك أهمية التوازن مع القوى الدولية الكبرى. فمصر، عبر حوارها الاستراتيجي مع واشنطن، وتركيا من خلال دورها في الناتو وعلاقاتها مع الولايات المتحدة، يجدان نفسيهما مضطرين للتنسيق أو على الأقل مراعاة المواقف الأمريكية في ملفات مثل غزة وسد النهضة وليبيا. هذا يخلق مساحة للتفاهم غير المباشر، حتى وإن لم تُترجم دائمًا إلى تعاون معلن.
وخلص إلى أن المشتركات بين مصر وتركيا تكمن في الاقتصاد المتشابك، والدور الإقليمي في القضايا الساخنة، والحاجة إلى التعامل مع الضغوط الدولية. هذه العناصر تجعل العلاقة بينهما علاقة "توازن حذر"، لكنها أيضًا علاقة لا يمكن لأي طرف أن يتجاهلها أو يقطعها بالكامل، لأنها ترتبط بمصالح استراتيجية تتجاوز الخلافات الآنية.
المركز الديمقراطي العربي يرى أن العلاقات المصرية–التركية محكومة بملفات شائكة مثل ليبيا وغزة، وأن أي تقارب يظل هشًا بسبب تضارب المصالح الأمنية والاستراتيجية .
وقال مركز إنتربرايز المصري للدراسات الاستراتيجية إن التعاون بين البلدين أصبح "حتميًا" في ظل الإقليم المضطرب، لكن التصريحات الأخيرة تكشف أن القاهرة لا تزال تستخدم ورقة الإخوان كأداة ضغط .
ووصف مركز العرب للأبحاث والدراسات العلاقات بأنها "شراكة تتجدد على أسس المصالح"، لكنه يحذر من أن أي تصريحات غير محسوبة قد تعيد التوتر إلى الواجهة .
وقال الخبير الأمني محمد عبدالواحد Mohamed Abdelwahed "العلاقات التركية المصرية تمثل نموذجاً للدبلوماسية البرجماتية فى منطقة شديدة الاضطراب، حيث تتجاوز فيها المصالح الاقتصادية و الأمنية الخلافات السياسية، وأن زيارة وزير الخارجية المصري الى تركيا في نوفمبر الماضي ناقشت ٤ ملفات هامة و هي:-
١- حضور الاجتماع الأول لاجتماع مجموعة التخطيط المشتركة والتحضير للقمة المصرية التركية.
٢ – مناقشة عدد من القضايا الإقليمية مثل غزة، السودان، القرن الافريقي، غاز المتوسط.
٣- بحث سبل تطوير العلاقات الثنائية خاصة الاقتصادية و الأمنية والعسكرية.
٤- التعاون المشترك لمواجهة النفوذ الإسرائيلى المتزايد فى المنطقة.
https://www.facebook.com/mohamed.sayed.58910/videos/1366215615514757/
وقال الخبير بمركز الجزيرة لقاء مكي @liqaa maki إن "من أبرز معالم التغيير الجيوسياسي في الشرق الأوسط، سيطرة تركيا على ماكان تحت نفوذ إيران من قبل. حدث ذلك في سوريا ويحدث فيما يخص القضية الفلسطينية، وبدأ يحدث كذلك في العراق. “اسرائيل” لم تكن تريد أن ترث تركيا ما خسرته وتخسره إيران، وهي لذلك تحاول منع أنقرة على الأقل من حجز مقعد رئيسي في موضوع فلسطين.
وأوضح أن "مشكلة المسعى “الصهيوني ” أنه يصطدم برغبة أميركية ترى العكس وتريد لتركيا دور جوهري في موضوع غزة. بكل الأحوال خروج إيران لصالح تركيا، وامتداد علاقات أنقرة إلى الخليج وليبيا ومصر والقرن الإفريقي، ونفوذها المتصاعد في أوروبا وكذلك مع واشنطن، ناهيك طبعا عن وسط آسيا وروسيا وأوكرانيا، كل ذلك سيجعل لتركيا أدوار حاسمة في المنطقة، لا سيما إن حافظت على علاقاتها مع الدول المؤثرة في المنطقة".
