السيسي يواصل الوصاية العسكرية ويصعّد ضد القضاء ويوجّه لهم اتهامات مبطنة بـ”الاستعلاء” و”الصلف”

- ‎فيتقارير

في مؤشر جديد على إصرار عبدالفتاح السيسي على إخضاع مؤسسات الدولة كافة للوصاية العسكرية، فجّر تصريحاته الأخيرة بشأن القضاة والأكاديمية العسكرية أزمة متصاعدة داخل السلطة القضائية، عكست حجم التوتر بين النظام والقضاة، بعد سنوات طويلة من خدمات قدّمها القضاء لتأمين انقلاب يوليو 2013 وتكريس الأمر الواقع.

 

فبدلاً من احتواء الغضب القضائي المتصاعد عقب تسريبات عن إخضاع التعيينات والترقيات للتفتيش والتأهيل العسكري، اختار السيسي التصعيد، ووجّه اتهامات مبطنة للقضاة بـ"الاستعلاء" و"الصلف"، في خطاب رأى فيه مراقبون إسقاطاً مباشراً على شخصه ونظامه، الذي حوّل الدولة إلى ما يشبه ثكنة عسكرية تُدار بعقلية الأوامر لا المؤسسات.

 

من شريك في الانقلاب إلى خصم تحت الوصاية

 

الأزمة الحالية أعادت إلى الواجهة سؤالاً ظل مسكوتاً عنه طويلاً: لماذا يهاجم السيسي القضاء الآن، بعدما كان أحد أعمدة شرعنة اغتصابه للسلطة؟

 

فالقضاء المصري لعب دوراً مركزياً منذ ما بعد ثورة يناير، بدءاً من حل مجلس الشعب المنتخب عبر المحكمة الدستورية، مروراً بدعم تحركات نادي القضاة ومجلس القضاء الأعلى في التمهيد للانقلاب، وصولاً إلى قبول رئيس المحكمة الدستورية آنذاك عدلي منصور القيام بدور "الرئيس المؤقت"، في ما وصفه الشارع لاحقاً بمسرحية دستورية لتغطية الحكم العسكري الفعلي.

 

وخلال عام كامل، لم يكن منصور سوى واجهة شكلية، يوقّع ما يُملى عليه من قرارات جمهورية، من بينها ترقية السيسي نفسه إلى رتبة مشير، رغم عدم مشاركته في أي حرب، في مخالفة صريحة لشروط القوانين العسكرية، ما جعل كثيرين يطلقون عليه لقب "الطوطم" أو "الرئيس الصوري".

 

الأكاديمية العسكرية… دولة داخل الدولة

 

في أول تعليق له على غضب القضاة من إخضاع مسارات التعيين والتأهيل لإشراف الأكاديمية العسكرية، قال السيسي إن الالتحاق بالوظائف الحكومية يجب أن يتم "وفق معايير موضوعية مجردة دون مجاملة"، مؤكداً حرصه الشخصي على ذلك، في خطاب اعتبره قضاة تكريساً لوصاية المؤسسة العسكرية على سلطة يفترض أنها مستقلة دستورياً.

 

وخلال زيارته فجر الجمعة إلى الأكاديمية العسكرية بالعاصمة الإدارية الجديدة، شدد السيسي على أن الدورات التي يخضع لها المعيّنون الجدد، ومن بينهم القضاة، تهدف إلى "تحقيق الجدارة"، نافياً أنها تهدف إلى "صناعة نخبة متعالية"، داعياً المتدربين إلى نقل أثر التدريب إلى مؤسساتهم "دون استعلاء".

 

لكن داخل الأوساط القضائية، لم تُقرأ هذه التصريحات إلا باعتبارها تبريراً لتمدد غير مسبوق لدور الأكاديمية، وتحويلها إلى بوابة إلزامية للمرور إلى مؤسسات الدولة، بما فيها القضاء، في سابقة تضرب مبدأ الفصل بين السلطات في الصميم.

 

قضاء تحت الاختبار… وصمت مقابل الامتيازات؟

 

وتزامنت تصريحات السيسي مع حالة توتر داخل نادي قضاة مصر، بعد تسريبات عن توجه لإلغاء أو تقليص دور مكتب التعيينات بالنيابة العامة، وإسناد مراحل من التقييم والتأهيل للأكاديمية العسكرية، ما اعتبره قضاة مساساً مباشراً باستقلال القضاء.

 

وعلى وقع الغضب، أعلن النادي عقد جمعية عمومية طارئة في 4 فبراير، قبل أن يتم تأجيلها عقب اجتماع مع المجلس الأعلى للقضاء، في خطوة فسّرها مراقبون على مواقع التواصل الاجتماعي بأنها محاولة جديدة لاحتواء الأزمة وامتصاص الغضب، كما جرى في أزمات سابقة.

 

وبحسب مراقبين، فإن السؤال الحقيقي لم يعد يتعلق بموقف السيسي، بل برد فعل القضاة أنفسهم:

هل يواصلون الصمت مقابل الامتيازات والمكاسب، أم أن داخل المؤسسة من لم يعد مستعداً لقبول الإهانة العلنية ووضع القضاء تحت وصاية الضباط؟

 

جنون العظمة أم نهاية مرحلة؟

 

يرى محللون أن السيسي، الذي أحكم قبضته على الإعلام والبرلمان والأحزاب والنقابات، لم يعد يقبل بوجود أي مساحة مستقلة، حتى لو كانت شكلية، وأن ما يجري يعكس حالة من جنون العظمة السياسية، تدفعه لرفض أي تقارب أو تهدئة، والتعامل مع الجميع بعقلية القائد الأوحد.

 

وفي هذا السياق، بدت اتهاماته للقضاة بـ"الغرور" و"الصلف" انعكاساً لطبيعة نظام حوّل البلاد إلى عزبة تُدار بالجهل والكِبر، على يد دائرة ضيقة من العسكريين، أبرزهم كامل الوزير وغيره من مساعدي السيسي، في ظل تآكل مؤسسات الدولة وتراجع هيبتها.

 

ما بعد الأزمة

 

حتى الآن، لا تبدو في الأفق بوادر حل حقيقي، في ظل تمسك السيسي بمشروعه لتحويل الأكاديمية العسكرية إلى المرجعية العليا للدولة، وتمسك قطاع من القضاة بما تبقى من استقلال شكلي.

 

ويبقى الاحتمالان مطروحين:

إما احتواء جديد للأزمة على طريقة النظام المعتادة، أو انفجار صامت داخل القضاء، قد لا يظهر فوراً، لكنه ينذر بأن مرحلة "الشراكة الصامتة" بين العسكر والقضاة تقترب من نهايتها.