فرحة الناس في 2011 بإلغاء وزارة الإعلام لم تكن تفصيلة عابرة، بل لحظة محمّلة بمعانٍ سياسية عميقة. القرار لامس جوهر ما كان يطالب به الشارع: تفكيك أدوات السيطرة على الوعي التي استخدمتها الدولة لعقود طويلة. بالنسبة للمصريين، لم يكن الأمر مجرد إلغاء وزارة، بل كان إعلانًا رمزيًا عن نهاية مرحلة كاملة من الوصاية على العقول.
وبعد مرور أكثر من عقد على إلغاء وزارة الإعلام في 2011، يعود السؤال بقوة: هل تحققت الوعود التي حملتها تلك اللحظة؟ وهل انتهى خطاب السيطرة، أم عاد بأشكال جديدة؟ كثير من المحللين يرون أن ما مثّلته فرحة الناس وقتها — نهاية خطاب واحد، نهاية الوصاية، وبداية حلم بإعلام حر — لم يتحقق، بل تبدّد تدريجيًا مع إعادة بناء منظومة إعلامية مركزية، وإن كانت بلا اسم "وزارة الإعلام" لفترة.
عودة الوزارة رسميًا، بدرجة وزير دولة لشؤون الإعلام ممثلة في أسماء صحفية مثل أسامة هيكل (صحفي الوفد) ثم ضياء رشوان، اعتبرها مراقبون إشارة واضحة إلى أن الدولة لم تتخلَّ عن رغبتها في إدارة المجال الإعلامي من أعلى.
فهيكل نفسه كان يواجه انتقادات واسعة من صحفيين وإعلاميين اتهموه — وفق آرائهم المنشورة — بإعادة إنتاج نموذج "الوزير المتحكم"، بينما رأى آخرون أن تصريحاته المتكررة عن "تراجع نسب المشاهدة" و"عدم ثقة الجمهور" كانت تعبيرًا عن أزمة أعمق: إعلام بلا استقلالية يفقد جمهوره لأنه لا يعكس واقعه.
ومع تولي ضياء رشوان المنصب، بدا المشهد أكثر وضوحًا. محللون مثل ياسر عبدالعزيز وعمرو حمزاوي تحدثوا في مقالاتهم عن "عودة مركزية القرار الإعلامي" و"توحيد الرسالة" و"غرف التوجيه"، معتبرين أن ما جرى هو استعادة كاملة لفكرة الوزارة القديمة، حتى لو تغيّر الاسم أو الهيكل.
وآخرون رأوا أن وجود رشوان — بصفته نقيبًا للصحفيين سابقًا ورئيسًا لهيئة الاستعلامات — يعكس رغبة الدولة في دمج أدواتها الإعلامية تحت قيادة واحدة، بما يعيد إنتاج خطاب واحد لا يسمح بتعدد الأصوات.
صحفي برتبة عقيد
تناقضات ضياء رشوان في تبنيه رأي السلطة جعلته يتبنى الرأي ونقيضه. ولعل هذا كان واضحًا بشكل كامل في ملف الغاز الذي تصدره تل أبيب للسيسي، وبدت تصريحات ضياء رشوان خلال الحرب على غزة — في نظر المحللين — متأرجحة بين خطاب يحمّل إسرائيل المسؤولية وخطاب يؤكد سيادة مصر، وبين خطاب يشيد بالإجراءات الأمنية وآخر يبرز الدور الإنساني، وبين خطاب يرفع سقف الوعود وآخر يقيّده بتصريحات السيسي.
وكثيرًا ما أشاد ضياء رشوان بأن المعبر فلسطيني – مصري، إلا أنه قال في مرات: "مصر لا تستطيع استقبال أي أشخاص فلسطينيين أو أجانب عبر معبر رفح في الوقت الراهن، التحكم في تدفق الناس (وخاصة الفلسطينيين) يقع ضمن صلاحيات الجانب الفلسطيني تحت الاحتلال".
واعتقلت داخلية السيسي، خلال حرب الإبادة على غزة، مسؤولي إمداد التكايا بالغذاء، التي كانت تقوم بإرسال الإغاثة والإطعام لأهل غزة المحاصرين، بعد أيام قليلة من تباهي رئيس هيئة الاستعلامات بأن الجيش دمر الأنفاق بين مصر وغزة وبنى جدارًا على حدود غزة، مع التأكيد على أن النظام يريد إرسال مساعدات لغزة لأنه يرفض التهجير.
وتساءل مراقبون: كيف تكون مصر "الحاضنة الإنسانية لغزة"، وفي الوقت نفسه "المغلِّظة لإجراءات العزل"؟ وكيف يمكن التوفيق بين خطاب "الأمن" وخطاب "الإنقاذ" في سياق واحد؟
ففي الوقت الذي كان رشوان يؤكد فيه أن مصر "لن تتوقف عن إدخال المساعدات"، وأنها "تتحمل مسؤوليتها الأخلاقية تجاه غزة"، خرج السيسي بتصريح واضح قال فيه: "لن ندخل حربًا من أجل إدخال مساعدات لغزة".
وفي صفقة الغاز، خرجت دوريات صهيونية بأن نتنياهو يفكر في إلغائها لأن النظام المصري خرق اتفاقية كامب ديفيد. فدافع ضياء رشوان عن موقف النظام، وإذا به، وهو يدافع عن هذا الموقف، يثبت — بحسب منتقديه — أن هذه الصفقة خيانة متكاملة الأركان، وأن تل أبيب هي المستفيد منها، وهي المتضرر في حال إلغائها.
وفي مقابلة مع "الجزيرة مباشر"، قال رشوان إن "الكرة الآن في الملعب الإسرائيلي" بعد أن وافقت الفصائل الفلسطينية على التعديلات المطروحة، مؤكدًا أن مصر أرسلت الموافقة النهائية إلى إسرائيل، وأن الأخيرة هي التي يجب أن تتخذ القرار النهائي.
ولكن في مقابلة أخرى، قال رشوان إن "التوقيع النهائي لاتفاق غزة سيكون من نصيب الجهة التي تمتلك القدرة الفعلية على التنفيذ"، مشيرًا إلى أن من يتفاوض هو من سيلتزم بالتنفيذ، في إشارة فسّرها محللون بأنها تحميل ضمني للفصائل مسؤولية ما يجري على الأرض، رغم أن الاحتلال هو الطرف المسيطر عسكريًا.
هذا التناقض لا يأتي مصادفة، بل يعكس — كما يقول المراقبون — موقع رشوان كمتحدث رسمي للنظام، يحاول الجمع بين رسائل متعارضة وإرضاء اتجاهات مختلفة داخل الدولة، مع الحفاظ على صورة مصر كوسيط، وفي الوقت نفسه كطرف يلتزم بالخط السياسي الرسمي، متنقّلًا بين تحميل "إسرائيل" المسؤولية تارة، و"حماس" تارة أخرى، وهو ما جعل كثيرين يعتبرون تصريحاته تبنّيًا للرأي ونقيضه، بما يعكس موقعه كمسؤول رسمي أكثر مما يعكس موقفًا ثابتًا تجاه الحرب.
تشابه موثق
جانب أساسي من سعادة المصريين بإلغاء وزارة الإعلام كان مرتبطًا بالدور الذي لعبه التلفزيون الرسمي خلال الأيام الـ18 الأولى من ثورة يناير. فبدلًا من نقل الحقيقة أو حتى الاكتفاء بالصمت، انخرط ماسبيرو في حملة تشويه واسعة ضد المتظاهرين، مستخدمًا لغة تخويف وتحريض، واتهامات بلا سند، وصورًا مفبركة، وروايات هدفت إلى نزع الشرعية عن الحراك الشعبي.
وكان الخطاب الإعلامي وقتها يكرر مزاعم عن "أجندات خارجية" و"تمويل أجنبي" و"وجود عناصر أجنبية في الميدان" و"مخططات لإسقاط الدولة". هذه الروايات لم تكن مجرد أخطاء مهنية، بل كانت جزءًا من ماكينة دعائية كاملة حاولت تصوير الثوار كخطر على الوطن، بينما تجاهلت القمع والقتل والانتهاكات التي كانت تجري في الشوارع.
ولم ينس المصريون نشرات الأخبار التي كانت تتحدث عن "شباب مغرر بهم"، ولا الحوارات التي استضافت أصواتًا تهاجم الثورة وتتهم المشاركين فيها بالخيانة، ولا التغطيات التي تجاهلت عمدًا مشاهد الملايين في الميادين. كان التلفزيون الرسمي، في نظر الناس، أداة لتزييف الوعي، لا وسيلة لنقل الحقيقة.
لذلك، عندما صدر قرار إلغاء وزارة الإعلام بعد سقوط مبارك، شعر كثيرون أن صفحة سوداء قد طُويت. بدا القرار كأنه اعتذار غير معلن عن سنوات من التوجيه والتحريض، وعن الدور الذي لعبه الإعلام الرسمي في محاولة إجهاض الثورة وتشويه صورتها. كان الناس يرون أن إلغاء الوزارة يعني نهاية عهد "الإعلام الحكومي" الذي يهاجم الشعب ليحمي السلطة، وبداية حلم بإعلام حر لا يخضع لتعليمات أمنية أو سياسية.
الحلم المؤجل
الكاتبة والمترجمة ناديا أبو المجد @Nadiaglory قالت إن "عودة وزارة الإعلام في الذكرى الـ15 لتنحي مبارك عن السلطة للمجلس العسكري في 2011.. الشعب لم يسقط النظام".
وفي هذا السياق، تبدو فرحة 2011 وكأنها كانت حلمًا مؤجلًا. فبدلًا من إعلام حر يعكس المجتمع، عاد الإعلام ليعكس السلطة، وبشكل أكثر إحكامًا مما كان قبل الثورة. يشير محللون إلى أن المشهد الحالي يقوم على مركزية شديدة في الرسائل، وتوجيه واضح للمحتوى، وغياب شبه كامل للأصوات المستقلة، ما يجعل فكرة "نهاية السيطرة" التي حلم بها الناس في 2011 بعيدة عن الواقع.
ومنذ السبعينيات وحتى 2011، ارتبطت وزارة الإعلام في الوعي العام بالتحكم الكامل في التلفزيون الرسمي، وتوجيه الرسائل السياسية، وتلميع السلطة، وقمع الأصوات المعارضة، وإنتاج خطاب واحد لا يُسمح بمناقشته. كانت الوزارة تُدار بمنطق "الماكينة الدعائية"، لا بمنطق الخدمة العامة. لذلك، عندما سقط النظام في فبراير 2011، بدا طبيعيًا أن يطالب الناس بإسقاط أدواته أيضًا، وفي مقدمتها وزارة الإعلام.
عندما صدر قرار إلغاء الوزارة، شعر كثيرون أن الدولة تتخلى عن وصايتها على الإعلام، وأن عهد "المذيع الحكومي" انتهى، وأن التلفزيون الرسمي لن يكون بوقًا للسلطة كما كان. بدا القرار كأنه خطوة نحو فتح المجال العام أمام التعددية، وتحرير الصحافة من الرقابة المباشرة، وبداية فصل حقيقي بين السلطة التنفيذية والإعلام، بما يسمح بقيام مؤسسات مستقلة.
وشعر الإعلاميون أنفسهم بأنهم تحرروا من عبء ثقيل. كثير من العاملين في ماسبيرو والصحافة اعتبروا القرار فرصة للتخلص من التعليمات اليومية، ووقف التدخلات الأمنية، وفتح المجال أمام المهنية، وإعادة بناء الثقة مع الجمهور. كان هناك إحساس بأن الإعلام سيعود "للناس"، لا "للنظام".
أما الشارع، فقرأ القرار باعتباره انتصارًا رمزيًا. بعد عقود من التوجيه والوصاية، بدا إلغاء الوزارة كأنه كسر لواحدة من أهم أدوات الدولة العميقة، وخطوة نحو إعلام حر، وإشارة إلى أن الثورة بدأت تغيّر بنية السلطة، ودليلًا على أن النظام القديم يتفكك بالفعل. حتى لو لم يتحقق ذلك لاحقًا، فإن اللحظة نفسها كانت محمّلة بأمل كبير.
