“حمدين صباحى”.. تفكيك مسيرة “الناصري ” وتحولات السلطة وتناقضات المواقف

- ‎فيتقارير

حاول حمدين صباحي تقديم اعتذارات متأخرة عن الصمت ومطالبة النظام بالإفراج عن سجناء الرأي ضمن حملة "السجن مش مكانهم" إلا أن التحركات والاعتذارات بعد تثبيت أركان النظام تماماً وتهميش صباحي شخصياً، مع استمراره في استخدام تلميذه طنطاوي لشرعنة اللعبة مجدداً (بيع المواقف) مع وصف اعتذاره من قبل رفاقه والشارع بأنه "والعدم سواء" ومجرد قفز من سفينة توشك على الغرق.

وتُظهر القراءة الفاحصة لمسيرة حمدين صباحي أن "الخطاب الناصري العروبي" لم يكن سوى أداة براجماتية جرى توظيفها مراراً لخدمة مصالح ضيقة، فمن الرقص على دماء الضحايا في رابعة، مروراً بالتواطؤ في تضييع مياه النيل نكاية في الخصوم، وصولاً إلى دعم براميل الأسد المتفجرة ومسرحيات الانتخابات الهزلية؛ يبقى صباحي في نظر التاريخ النماذج الأوضح للمعارضة الكرتونية المستأنسة التي تقتات على الأزمات وتصنع الضجيج لخدمة السيناريوهات الأمنية والمخابراتية وتوظف ضمن برامج بقنوات شيعية كـ "في الإمكان".

يحفل التاريخ السياسي الحديث بظواهر وشخصيات شكلت ملامح المراحل الانتقالية، ولعل أبرز هذه الشخصيات القيادي الناصري ومؤسس حزب الكرامة، حمدين عبد العاطي عبد المقصود صباحي الذي ينتقل في الوجدان السياسي بعاشقي اللقطة "مناضلاً طلابيا ثم برلمانياً سابقاً" ثم "شرارة مساعدة" في الانقلاب ومستدعٍ لبندقية العسكر فضلا عن مفاجأته للرفاق ومنهم خالد علي بأنه يمتلك في سيرته وظيفة المحلل السياسي لترتيبات العسكر.

وتمثل مرحلة ما بعد ثورة 25 يناير 2011 ذروة الصعود الشعبي لحمدين صباحي، حيث حل ثالثاً في انتخابات الرئاسة لعام 2012. ومع ذلك، يرى نقاد ومراقبون أن نكوصه عن المسار الديمقراطي بدأ مبكراً مدفوعاً بـ"النكاية السياسية" والمصلحة الحزبية الضيقة.

يذكره الكاتب الصحفي سليم عزوز @selimazouz1 عبر حسابه الرسمي في منصة إكس متوجهاً للمخرج خالد يوسف ومذكراً إياه بفضل جماعة الإخوان المسلمين الانتخابي على تيار صباحي: "أقول قولي هذا، ولم يصدق الإخوان معي في انتخابات بعد الثورة، ولكنهم صدقوا مع زعيمك حمدين صباحي، لينجح من حزب الكرامة 9 نواب، فضلًا عن خير الإخوان عليكم، وحكموا على أبو عيطة الترشح في دائرة غير دائرته مقابل ضمان فوزه.. شوفت الذل؟"

https://x.com/selimazouz1/status/2016009182638703008

وانخرط صباحي في "جبهة الإنقاذ الوطني" التي مهدت الطريق لأحداث 30 يونيو 2013. ولم يقتصر دوره على المعارضة السياسية لأول رئيس مدني منتخب، بل تعداه إلى مباركة الإجراءات الأمنية بل و"السياسية" الصارمة عقب الإطاحة بالنظام.

ويتذكر الناشط عمار مطاوع @AmmarMetawa عبر حسابه المفارقة الصارخة لموقف صباحي مقارنة بالمواقف الدولية، حيث كتب: "في عام 2013، حين تم اختطاف أول رئيس مصر منتخب ديموقراطيا في طائرة عسكرية إلى جهة غير معلومة.. أعلن مادورو [رئيس فنزويلا] سحب سفير بلاده من مصر حتى إشعار آخر، في أقوى رد فعل رسمي على الانقلاب العسكري في مصر، وبعد يومين فقط من أحداث فض اعتصام رابعة العدوية. أين كان السيد حمدين وقتها؟ كتب على تويتر يوم فض الاعتصام: 'حتى اكتمال النصر من عند الله، سنقف مع شعبنا القائد وجيشنا والشرطة نواجه إرهاب الذين احتقروا إرادة الشعب، واحتكروا قدسية الدين وتاجروا بدم الأبرياء'."

https://x.com/AmmarMetawa/status/2009038350271791409

دور "الكومبارس والمحلل" في مسرحية انتخابات الرئاسة 2014

ومن أكثر الهاشتاجات التي ارتبطت بأشخاص هاشتاج #الكومبارس وهو أحد أكثر العناوين التصاقاً بحمدين صباحي في العقد الأخير أو #المحلل، نظراً لمشاركته في انتخابات الرئاسة عام 2014 أمام عبد الفتاح السيسي، والتي انتهت بـ"فوز" الأخير بنسبة اكتساح بلغت 96.91%.

ويرى قطاع واسع من المعارضة والمحللين أن ترشحه لم يكن منافسة حقيقية، بل كان بهدف إضفاء شرعية شكلية وديكور ديمقراطي على نظام تولى السلطة حديثاً عبر المؤسسة العسكرية. وتكشف الشهادات التاريخية عن نكث صباحي لعهوده مع رفاق التيار المدني؛ حيث أشارت منصة "زاوية ثالثة" @zawiaa3 عبر لقاء مع الحقوقي خالد علي إلى كواليس هذا الترشح المنفرد: "في 2014، جرى تنسيق بيني وبين الأستاذ حمدين صباحي، وعُقدت عدة اجتماعات برعاية الأستاذ عبد الغفار شكر، من بينها اجتماع في مقر حزب التحالف الشعبي بالدقي. واتفقنا منذ البداية على ألا يعلن أي منا الترشح قبل التوافق على سيناريو واضح، إلا أن الأستاذ حمدين أعلن ترشحه لاحقًا".

https://x.com/zawiaa3/status/2023771793295626729

وقد جاءت اعتذارات صباحي المتأخرة (عقب سنوات طويلة) لتثير موجة عارمة من السخرية والغضب بين الإعلاميين والنشطاء الذين اعتبروا الاعتذار محاولة بائسة للقفز من سفينة النظام بعد أن تم تهميشه وإجلاسه في المنزل. وعلّق الإعلامي بقناة الجزيرة زين العابدين توفيق @zeintawfik بحدة قائلاً: "مع كامل الاحترام لفكرة الاعتذار من اي طرف، لكن اي اعتذار لا ينقذ ارواحا كان من الممكن انقاذها لو اتخذ الموقف الصحيح في الوقت الصحيح فلا قيمة له عندي. هو والعدم سواء.. لا يحتاج الأمر عشر سنين عشان تعرف انك كنت حيوانًا وجحشًأ وشريكًا في الدم بعدم اتخاذ الموقف الصحيح في الوقت الصحيح".

https://x.com/zeintawfik/status/1884941494349373475

وعلق حساب المعلم زكي @YSgZOmgLBLJHDsj متهكماً: "هو حمدين صباحي لسة فاكر يطلع يستفرغ علينا قاذوراته دلوقتي يالله يا ابن المتعاص ده انت اول واحد رقصت علي الدم واول واحد شاركت في تثبيت اركان المتعاص بالمشاركة في انتخابات الرئاسة".

https://x.com/YSgZOmgLBLJHDsj/status/1884793297555595288

وكتب حساب @AwAmer11267796: "الكومبارس حا يفضل كومبارس.. اعتذار حمدين صباحى غير مقبول. دى حياة شعب. بعد 12 سنة من رابعة الاعتذار زى عدمه. ١٢ سنة معتقلو الرأى وهم اصدقاؤه فى عزل انفرادى بلا علاج ولا زيارات".

https://x.com/AwAmer11267796/status/1884918032461410780

 

وعلق حساب خليك راكب دماغك @Hemaa31920413 معتبراً أن الاعتذار مجرد انتهازية: "القيمة الوحيدة والحقيقية في اعتذار حمدين صباحي هو انه -كانتهازي محترف- لن يعتذر ما لم يكن واثقا ان سفينة 'الحنين' موشكة على الغرق! .. القصة القديمة المملة، الفئران أول من يغادر السفن الغارقة!"

https://x.com/Hemaa31920413/status/1883443692658377137

"برنامج المطبخ" وسلطة الخضار

بعد انتهاء دوره الوظيفي في انتخابات 2014، رُكن حمدين صباحي على الهامش السياسي، وتحول في نظر الشارع إلى مادة للتندر والتهكم. وانتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي حملات تصف انكفاءه المنزلي بـ"برنامج الطبخ" وتقطيع سلطة الخضراوات، كبديل عن النضال الحقيقي في القضايا المصيرية مثل قضية سد النهضة الإثيوبي وتجويع الشعب المصري.

كتب الصحفي سلامة عبد الحميد @salamah متهكماً: "لما الأستاذ حمدين صباحي يخلص عمايل سلطة الخضراوات، حد يقوله إن سد النهضة هيعطش مصر، وإن دا وقت النضال الحقيقي، مش النضال على واحدة ونص اللي بقاله 7 سنين بيمارسه".

 

لقاء "السفاح" بشار الأسد وقناة الميادين الإيرانية

ومن اللقاءات المشبوهة التي يجب أن يترقبها أنصار الأيديولوجية القومية الناصرية أن حمدين صباحي اتخذها مدخلاً مباشراً لتبرير الجرائم والانتهاكات الإقليمية تحت لافتة "المقاومة والعروبة".

ولم يتوقف صباحي عن دعم نظام بشار الأسد في سوريا رغم ارتكابه مجازر الكيماوي والبراميل المتفجرة بحق أبناء الشعب السوري. وقاد وفوداً ناصرية لزيارة قصر المهاجرين بدمشق ولقاء الأسد لتثبيت أركانه، واصفاً إياه بـ "خط الدفاع الأخير عن العروبة".

ثم تحول صباحي أخيرا إلى ضيف دائم فوق منصات الإعلام الإيراني، وتحديداً قناة الميادين الشيعية @AlMayadeenNews الموجهة لمهاجمة الهوية العربية السنية وتبرير التمدد الإيراني، مبرراً مسلك طهران بذريعة مواجهة القواعد الأمريكية. وظهر في برامج مثل برنامج "في الإمكان" ليمارس تنظيراً حزيناً حول الثورة والثورة المضادة، قائلاً: "دفعنا الأثمان ولم نحصل على عيش ولا حرية ولا عدالة اجتماعية ولا كرامة إنسانية".

https://x.com/AlMayadeenNews/status/2018770261214929264

 

سد النهضة ووفد "الدبلوماسية الشعبية"

وتكشف الوثائق والتقارير التاريخية عن دور كارثي لعبه حمدين صباحي ورفاقه في جبهة الإنقاذ (مثل جورج إسحاق، وعزازي علي عزازي، وزياد العليمي، وسكينة فؤاد) في ملف سد النهضة الإثيوبي.

ففي إطار النكاية السياسية والمكايدة ضد برنامج الرئيس الأسبق محمد مرسي، قام هذا الوفد بزيارة إلى إثيوبيا تحت مسمى "وفد الدبلوماسية الشعبية". وتؤكد المصادر والنشطاء أن السد الإثيوبي كان يحمل اسم "سد الألفية"، وأن وفد صباحي هو من اقترح على الجانب الإثيوبي تسميته بـ "سد النهضة" للسخرية والنكاية بمشروع النهضة الإخواني، واعتبرته إثيوبيا تأييداً شعبياً مصرياً لبناء السد.

 

https://x.com/Exmligy/status/1380611252095959042

إعادة إنتاج دور "المحلل" الجديد

ولم تتوقف المدرسة المخابراتية عند إعادة تدوير حمدين صباحي، بل امتدت لتفرز تلميذه في حزب الكرامة والتيار الناصري: أحمد الطنطاوي (الذي يصفه نشطاء بـ "الموجه أمنياً").

يرى مراقبون أن الطنطاوي أدى بدقة ذات الدور المسرحي الذي تدرب عليه على يد أستاذه؛ حيث تم تلميعه من خلال مسرحية إخراجه من البرلمان ليلعب دور المعارض الشرس المسموح به أمنياً لإيهام المجتمع الدولي بوجود حراك سياسي في مصر، وشرعنة مؤسسات النظام ودستور 2014.

ويفضح الناشط شريف حشاد هذا الدور عبر منشوراته، مشيراً إلى إعلان الطنطاوي المشاركة في انتخابات مجلس النواب لعام 2025 رغم انعدام الحياة السياسية والنزاهة القضائية، ومذكراً بتصريحات الطنطاوي التلفزيونية التي يعلن فيها صراحة: لا مكان لمن يصف السيسي بالمنقلب، ولا مكان لمن لا يعترف بـ 30 يونيو كـ "ثورة".

رابط فيديو إعلان طنطاوي القرار:

https://www.facebook.com/share/v/19cdf8Tk3S/

 

رابط منشور تحليل استخدام العسكر للطنطاوي:

https://www.facebook.com/photo?fbid=122191093388054507&set=a.122095762160054507

كما كشف الكاتب عبد الحميد قطب @AbdAlhamed_kotb عن الأبعاد الإقليمية المشبوهة للطنطاوي، موضحاً أنه يتبنى نفس خطى أستاذه صباحي في دعم الطاغية بشار الأسد، ووصف الثوار السوريين بـ "شذاذ الآفاق"، فضلاً عن كونه عضواً فاعلاً في "المؤتمر القومي العربي" (أحد أذرع إيران الإقليمية)، وتلقيه رعاية مباشرة من المخابرات الإيرانية ومليشيا حزب الله أثناء فترة تواجده في لبنان.

وفي مقال أرشيفي شهير للكاتبة آيات عرابي @ayaa00 نشرته بعنوان "أحمد طنطاوي.. محلل العسكر الجديد"، أكدت أن هذه الأحزاب الكارتونية هي صناعة مخابراتية خالصة تهدف لإلهاء الشعب عن الكوارث الكبرى كبيع الأصول وتنازلات سد النهضة، ملقبة الطنطاوي بـ "تلميذ حمدين صباحي النجيب الذي يمارس العهر السياسي".

 

تناقضات حمدين صباحي

يوضح الجدول التالي تسلسلاً زمنياً وموضوعياً يبرز حجم التناقضات الصارخة في مسيرة حمدين صباحي السياسية:

الفترة الزمنية

الموقف المعلن / الشعار المرفوع

الممارسة الفعلية / الواقع التاريخي

نتيجتها وأثرها السياسي

2011 – 2012

تبني شعارات ثورة 25 يناير (عيش، حرية، عدالة اجتماعية) والتحالف مع القوى المدنية والإسلامية.

الاستفادة من دعم الإخوان المسلمين اللوجستي والانتخابي لإيصال 9 نواب من حزب الكرامة للبرلمان.

الصعود السياسي وبناء رصيد شعبي زائف باسم الثورة.

2013

الدفاع عن مدنية الدولة والمسار الديمقراطي ضد ما وصفه بـ "الأخونة".

التآلف مع الفلول وجهاز الشرطة في جبهة الإنقاذ، ومباركة الدبابة العسكرية وفض اعتصام رابعة الدموي.

إسقاط الديمقراطية الوليدة وشرعنة الحكم العسكري الأمني.

2014

تقديم نفسه كمرشح رئاسي ثوري يمثل تطلعات المعارضة السياسية.

نقض الاتفاق المسبق مع خالد علي، والقبول بلعب دور "الكومبارس" في مسرحية انتخابية محسومة سلفاً.

منح النظام الجديد صكاً ديمقراطياً وشكلياً أمام المجتمع الدولي.

2011 – 2024

التباكي على السيادة المصرية والأمن القومي والمائي ضد التهديدات الخارجية.

قيادة وفد "الدبلوماسية الشعبية" لإثيوبيا، ومنح السد اسم "النهضة" مكايدةً بمرسي، مما شرعن بناءه.

تهديد الأمن المائي المصري وتجفيف شريان النيل.

طوال مسيرته

ادعاء مناصرة حرية الشعوب العربية وحقها في تقرير المصير ومواجهة الاستبداد.

الارتماء في أحضان المحور الإيراني (الميادين)، وزيارة الطاغية بشار الأسد ودعمه وبكائه على سقوط نظامه الكيماوي.

سقوط القناع الأخلاقي والقومي، وظهوره كداعم لأبشع أنظمة الإبادة الطائفية.