بين عشية وضحاها، أسقطت إدارة دونالد ترامب ورقة التوت التي تبقت لستر عوراتها السياسية ، مستخدمة أسلوب الابتزاز والتهديد لمنع أي محاولات رسمية لمحاكمة زبانية الصهيونية من المحاكمة أمام المحاكمة الدولية، فقامت بغلق مقر منظمة التحرير الفلسطينية بسبب مجرد تفكيرها بأن تشتكي الكيان الصهيوني أمام المحكمة الجنائية الدولية.

 

وفجأة أخرجت واشنطن من جعبتها قانون للكونجرس لابتزاز الجانب الفلسطيني، حيث أبلغت في 17 نوفمبرثاني 2017 منظمة التحرير الفلسطينية بأنها ستغلق المكتب، مستندة في موقفها إلى تصريحات لمسئولين فلسطينيين تعهدوا فيها بملاحقة الكيان الصهيوني الذي فاقت جرائمه ضد الفلسطينيين الوصف ومازالت كتب التاريخ وصفحات الواقع تسطر جرائمه حتى الآن.

 

وبمنتهى التبجح، زعم وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون أن الفلسطينيين "انتهكوا" القانون الأميركي. بينما ذكر مصدر في الخارجية الأمريكية أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد «تجاوز الخط» عندما دعا المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في تصرفات الكيان الصهيوني ومحاكمته.

 

الأسباب الخفية

 

وقال العضو المستقل في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، أسعد عبد الرحمن، إن هناك ضغوطا على الرئيس محمود عباس، والقيادة الفلسطينية عموما، وصلت حد التهديد بالتصفية السياسية، وصولا إلى فرض الحصار والعقوبات، تحت طائلة عدم القبول بما هو قادم من مشروع أميركي للسلام.

 

وأوضح  في تسريبات صحفية أن "الضغوط مباشرة وغير مباشرة، ومنها ما طفى على السطح مؤخرا، وأخرى تحت الطاولة".

 

 

وقال عبد الرحمن، إن الضغوط تصب، بتأثير صهيوني، في خانة تخفيض سقف المطالب الفلسطينية باتجاه ما يسمى "صفقة القرن"، مفيدا بأنه "لم يتم، حتى الآن، تقديم أي خطة مكتوبة أو أفكار رسمية أو مبادرة أميركية للسلام إلى القيادة الفلسطينية".

 

وأكد بأنه "لا يوجد فلسطيني أو عربي حر يقبل بما يُطرح من أفكار تدور حول اللادولة، مع إسقاط حق العودة، وعدم تقسيم القدس، مقابل بقاء المستوطنات الإسرائيلية في غالبية أراضي الضفة الغربية".

 

وشدد على "الموقف الفلسطيني الثابت من إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على حدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967، وعاصمتها القدس المحتلة، وحق عودة اللاجئين الفلسطينيين وفق القرار الدولي 194".

 

واعتبر أن الجهود المبذولة حاليًا، بحسب معلوماته ورؤيته التحليلية للأحداث الراهنة، تتجه نحو أحد الاحتمالين المطروحين للتسوية في الأوساط الإقليمية والدولية، إزاء مساع إسرائيلية وأمريكية لتوظيفها تجاه أحدهما، والاستفادة من التطبيع المجاني مع سلطات الاحتلال.

 

ولفت إلى "التوجه لمنح السلطة الفلسطينية أوسع قدر ممكن من السيادة على أكبر مساحة من الضفة الغربية، وليس كاملها، وفق قاعدة الحكم الذاتي الموسع، وذلك للأبقاء على الكتل الاستيطانية، تحت مسمى "الدولة"، في ظل مساعي بعض الأوساط لربطها بعلاقة مع الأردن لحل العديد من إشكاليات الحل النهائي، ومنها القدس والمسجد الأقصى المبارك والأغوار والأمن".

 

وكان موقع "المونيتور" الإلكتروني قد نشر مقالاً للمحلل السياسي الإسرائيلي بن كاسبيت تحدث فيه عن أبرز ملامح المبادرة الأمريكية للسلام، التي ما تزال معلقة" بحسبه، وتقوم على "إجراء مفاوضات إقليمية في ثلاث قنوات: إسرائيلية- فلسطينية بوساطة أمريكية؛ وإسرائيلية-إقليمية ودولية، وصولاً إلى اتفاق إقليمي.

 

وبحسب كاسبيت فإن المبادرة ربما تحيي فكرة الكونفدرالية الفلسطينية- الأردنية، أو إنشاء تكوين فلسطيني-أردني-إسرائيلي، شريطة الموافقة الإسرائيلية"، مقدرًا بأن يتم إطلاقها مطلع العام المقبل، بمشاركة إسرائيلية وفلسطينية، وحضور عربي موسع.

 

وبموازاة ذلك؛ فقد نشرت القناة الثانية الإسرائيلية تقريرا حول خطة ترامب للتسوية، تقوم على إقامة دولة فلسطينية، ليس بالضرورة وفق حدود عام 1967، بدون إخلاء المستوطنات، ومع تبادل الأراضي والسكان، إلى جانب تقديم عرض اقتصادي. 

 

غير أن صحيفة "يسرائيل هيوم" الإسرائيلية أفادت، نقلاً عن مصدر رفيع في البيت الأبيض، أن هذا التقرير "مضلل"، كما نفى مكتب نتنياهو ما ورد فيه، قائلا إن "رد رئيس الحكومة سيعتمد على مضمون وجوهر الاقتراح".

 

تنفيذ التهديد

 

وبغض النظر عن تنازلات رئيس السلطة الفلسطينية وتخاذله أمام العدو الصهيوني حتى وصل إلى التنسيق الأمني، إلا أن المسئولين الأمريكيين اعتبروا خطاب له أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2017، وثيقة إذانة تستحق العقاب لأنه دعا المحكمة الجنائية الدولية إلى فتح تحقيق وإلى محاكمة المسئولين الصهاينة على دورهم في الأنشطة الاستيطانية والاعتداءات على الشعب الفلسطيني.

 

وبعد التهديد بالإغلاق رفضت إدارة ترمب في 18 نوفمبر 2017 تجديد ترخيص مكتب منظمة التحرير، وأكد أمين سر منظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات أن وزارة الخارجية الأمريكية أبلغتهم في رسالة خطية بـ"عدم استطاعتها تمديد فتح مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن نظرًا لقيامنا بالانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية".

 

ابتزاز

 

وتشترط الإدارة الأمريكية على الفلسطينيين في مقابل السماح بعمل مكتب منظمة التحرير في واشنطن أن يتوقفوا عن ملاحقة الصهاينة في محكمة الجنايات الدولية والدخول معها في مفاوضات مباشرة.

 

 

وتقول إدارة ترمب إن خطوتها بعدم تجديد ترخيص مكتب منظمة التحريرلا ترقى إلى مستوى قطع العلاقات مع المنظمة، كما أنها لا تشير إلى نية لوقف العمل مع السلطة الفلسطينية، لكن ترمب سيقرر في غضون 90 يومًا ما إذا كان الفلسطينيون منخرطين في محادثات سلام "مباشرة وهادفة" مع إسرائيل.

 

وإذا أبلغ الكونجرس بأن الفلسطينيين ملتزمون بذلك، سيبقى المكتب مفتوحًا، وإلا فسيغلق.

 

وبالطبع رحبت حكومة  الصهيوني بنيامين نتانياهو رحبت بالخطوة الأمريكية، مع العلم أنها ضغطت على واشنطن لإغلاق المكتب، وكانت قد هددت في نهاية سبتمبر 2017 بالانتقام من قبول فلسطين عضوًا كاملاً في منظمة الشرطة الجنائية الدولية (إنتربول).

 

وكانت صحيفة "التايمز" البريطانية ذكرت أن الولايات المتحدة تعمل على وضع خطة نهائية، تقضي بإحلال سلام دائم بين الفلسطينيين والصهاينة، في أعقاب التحول الذي طرأ في العلاقات العربية الإسرائيلية بقيادة السعودية.

 

تاريخ المنظمة

 

سمحت الولايات المتحدة الأمريكية عام 1994 لمنظمة التحرير الفلسطينية بأن تفتح مكتبًا لها في العاصمة واشنطن، ليكون الجهة الممثلة رسميا لجميع الفلسطينيين.

 

وقام الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون حينها بإلغاء قانون ينص على أن الفلسطينيين لا يستطيعون الحصول على مكاتب.

 

وتقوم مهمة المكتب على تسهيل التفاعل بين السلطات الفلسطينية والحكومة الأمريكية، باعتبار أن الولايات المتحدة لا تعترف بدولة فلسطين، وليس للفلسطينيين أي تمثيل دبلوماسي أو قنصلي فوق الأراضي الأمريكية.

 

وفي ديسمبر 2002 قرر الرئيس الأسبق جورج بوش خفض تمثيل المكتب التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية في الولايات المتحدة، بحجة عدم احترام منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية لبعض تعهداتهما.

 

وذكر قانون ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية للسنة المالية 2003 الذي صوت عليه الكونجرس أن منظمة التحرير تعهدت في العام 1993 بالاعتراف بحق "إسرائيل" في الوجود وقبول قراريْ مجلس الأمن الدولي 242 و338 وحل الخلافات مع إسرائيل بالتفاوض والطرق السلمية.

 

ولما جاءت إدارة الرئيس باراك أوباما، وبالتحديد في يوليو 2010، رفعت مستوى تمثيل بعثة المنظمة ليصبح "المفوضية العامة لمنظمة التحرير الفلسطينية"، وهو مستوى بروتوكولي أعلى من وضعها السابق غير الرسمي.

 

كما سمحت إدارة أوباما للفلسطينيين برفع علمهم فوق مبنى البعثة الفلسطينية في واشنطن، وكانت "خطوة إيجابية نحو اعتراف واشنطن بالدولة الفلسطينية المستقلة"، كما ذكرت منظمة التحرير الفلسطينية في تلك الفترة.

 

وفي عهد أوباما أيضًا رفض وزير خارجيته جون كيري طلب تقدم به 32 مشرعًا في الكونجرس الأمريكي في 18 ديسمبر/ كانون الأول 2015، يقضي بإغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن، بحجة أن "السماح ببقاء المكتب مفتوحًا في واشنطن لا يقدم أي فائدة للولايات المتحدة أو عملية السلام".

 

وقالت الخارجية الأمريكية حينها: إن الإغلاق "سيلحق الضرر بالجهود الأمريكية لتهدئة التوتر بين الإسرائيليين والفلسطينيين ودعم حل الدولتين وتعزيز الشراكة الأمريكية الفلسطينية".

 

ورغم رفع مستوى تمثيل البعثة الفلسطينية فإن المكتب لم يعتبره الأمريكيون مؤسسة شريكة، ومنظمة التحرير الفلسطينية نفسها لم تتم إزالتها من قائمة الإرهاب الأمريكية.

 

كما أن الكونجرس الأمريكي تبنى في ديسمبر 2015 قانونًا يفرض شروطًا على مكتب منظمة التحرير الفلسطينية؛ حيث نص على أنه لا يمكن لمنظمة التحرير الفلسطينية إدارة مكتبها بواشنطن إذا حثت المنظمة المحكمة الجنائية الدولية على محاكمة المسئولين الإسرائيليين بشأن جرائمهم ضد الفلسطينيين.

Facebook Comments