في مثل هذا الشهر قبل ثماني سنوات قام المصريون بثورة 25 يناير عام 2011، واستطاعوا في 18 يومًا إسقاط أحد رؤوس العسكر، لكنَّ جسد العصابة بقي حاضرًا لم يمت، وأنبت هذا الجسد رأسًا له بدلا من مبارك، إنه جنرال إسرائيل السفيه عبد الفتاح السيسي، الذي وضع مع حلفائه في الداخل والخارج حدًّا لأول تجربة ديمقراطية مدنية في مصر، وفتح بذلك الباب واسعا أمام منزلقات سياسية وأمنية واقتصادية ما زالت مصر تتهاوى في قيعانها السحيقة.

وقبيل كشف الستار عن مشهد الثالث من يوليو 2013، جرت أحداث كثيرة بلغت ذروتها في الثلاثين من يونيو، بمظاهرات حاشدة تطالب بانتخابات مبكرة، ثم لقاءات أجراها السفيه السيسي وزير الدفاع حينها مع سياسيين، قبل أن يسدل ستار المرحلة الفاصلة بين الثلاثين من يونيو والثالث من يوليو على البيان الأول.

تضمنت خريطة الطريق التي قدمها السفيه السيسي في بيان الانقلاب والغدر بالرئيس الشهيد محمد مرسى، وتعطيل العمل بالدستور، مع إسناد الرئاسة إلى رئيس المحكمة الدستورية العليا المستشار عدلي منصور، ولاحقا أغدق السفيه السيسي وعوده بالرفاهية والحياة الكريمة والاستقرار السياسي والاقتصادي على المصريين.

البقية في صحتك!

وبعد ست سنوات من “الثورة المضادة”، تؤكد معطيات الواقع وتقارير المنظمات والمؤسسات الدولية انتقال البلد خلال هذه السنوات إلى “حالة ديكتاتورية فجة”، تغلق أغلب منافذ التعبير، وتخنق الفضاءات الاقتصادية والاجتماعية، في حين تحولت وعود الرفاه إلى سراب بقيعة، وعادت العصابة العسكرية للبطش بالمصريين جميعا، بعد تخلصها من الثوار ومن جماعة الإخوان المسلمين، وانهار دور مصر إقليميا ودوليا.

ومن جملة من انهار في مصر القطاع الصحي بما يحتويه من مستشفيات ومراكز علاجية وتأمين، ومعلوم أن هناك مستشفيات تخصصية وهي حكومية، وتملك إمكانات ممتازة لكنها تقدمها لمن يدفع، أما الفقراء، فمصيرهم مستشفياتٌ مهترئة تزيد من عذاباتهم ومعاناتهم.

ولا تزال “كوثر” تتردد على المستشفى، منذ أكتوبر الماضي، أملاً في تحديد موعد جراحة تؤكّد الفحوصات ضرورة إجرائها بشكل فوري، شأنها في ذلك شأن ملايين المصريين الواقفين على أبواب الحكومة طلبا للعلاج.

فقبل نحو 3 أشهر، اكتشفت السيدة البالغة 56 عاما إصابتها بورم سرطاني في كليتها اليسرى، ونصحها الأطباء باستئصال الكلية بشكل عاجل حتى لا ينتشر الورم على نحو تصعب مواجهته.

ولأن إجراء الجراحة على نفقتها الخاصة يتطلب 20 ألف جنيه على أقل تقدير، فقد لجأت نادية إلى معهد الأورام لإجراء الجراحة على نفقة الدولة، يقول سليم نجل المريضة: “منذ شهرين ندور في دوامة الروتين، خلاف بين الأطباء على جدوى أخذ عينة من الورم، ثم فحوصات وتحاليل سبق وأجريناها، وفي النهاية توفير دم وبلازما من فصيلتها (O+) كشرط أساسي لتحديد موعد الجراحة”.

وتابع: “اشترينا الدم بـ600 جنيه من داخل المعهد نفسه وتبرعنا بالبلازما، لكننا تحملنا ثمن القِرَب (أكياس الدم الفارغة) وأُجبرنا على التبرع بـ250 جنيها للمعهد. في النهاية حُدّد يوم 17 يناير الجاري موعدا مبدئيّا لا نهائيّا، كأنها مصابة بنزلة برد لا بالسرطان”.

هذه ليست الحالة الوحيدة التي تتعرض فيها حياة المصريين للخطر بسبب ضعف الخدمة الصحية، رغم الخطوات التي تعلنها الحكومة سنويّا لتحسين الرعاية الصحية، فقبل أسبوعين كادت كوثر (33 عاما) تفقد حياتها بعدما أصيبت بارتجاع مراري ولم تجد لها مكانا في أي مستشفى حكومية.

يقول كمال زوج كوثر: “ظللنا ثلاثة أيام نتنقل بين المستشفيات ولا نجد لها مكانا. كانت تتقيأ باستمرار وكل الأطباء يؤكدون أنه لا إمكانية للتعامل مع حالتها إلا بمستشفى خاصة أو تخصصية أو مستشفى جامعية مجانية”.

في النهاية، يضيف كمال، تَمكنَّا من إيجاد مكان لها بمستشفى جامعية عن طريق أحد المعارف، رغم أن نفس المستشفى رفضت استقبالها أول الأمر بحجة عدم توافر مكان.

للقادرين فقط!

وتُعتبر الرعاية الصحية واحدة من أهم المظلات التي يستظلّ بها غير القادرين من حرارة القطاع الخاص، التي بلغت مستويات لا يمكن تحمُّلها في ظلّ تدنِّي مستوى الدخل، لكن هذه الرعاية نفسها مصابة بـ”فقر الميزانية” الذي يجعلها كـ”الدواء المغشوش”، كما يقول أحد الأطباء الحكوميين.

يصف محمود رأفت، أستاذ جراحات القلب بإحدى المستشفيات الجامعية، الخدمة الصحية المجانية في مصر، بالقول: “هي تجلس على كرسي متحرك وعلى المريض أن يساعدها في الحركة”، مؤكّدا أن “نسبة المستفيدين منها ضئيلة جدّاً، وحتى هؤلاء يتحملون جزءاً ليس بسيطا من التكاليف”.

ويوضح رأفت أنه “رغم سهولة استخراج قرار العلاج وتوفير جزء كبير جدّا من الأدوية قياسا بفترات سابقة، فإن أدوية مهمة للغاية غير متاحة، ناهيك بقوائم الانتظار المكتظة بحالات لا يمكن أن تنتظر”.

وتابع: “في مجال القلب مثلا هناك نقص حادّ في مضادات الجلطات الفعالة مثل بلافكس، كما أن العنايات المركزة تعاني نقص الأدرينالين وأسطوانات الأكسجين، وهما بمثابة الماء والهواء لمرضى القلب”.

كما أن جراحات مهمة كـ”الأوعية الدموية وتركيب الدعامات” غير متوافرة في كثير من المحافظات، لذا يُضطرّ المريض إلى إجرائها في محافظة غير محافظته، وهذا عبء آخر، كما يقول جنيدي، الذي يؤكد أن قطاع الصحة “لا يمثل أولوية لدى الحكومة، والمخصصات المالية للصحة لا تزال تجعل طالبي العلاج المجاني يخسرون وقتهم وكرامتهم وربما حياتهم”.

ورغم الحملات التي دشّنَتها حكومة الانقلاب للقضاء على فيروس سي وغيرها، والتي استفاد منها ملايين المصريين، فإن الصحة إجمالا أصبحت تجارة في مصر، كما يقول متخصصون.

الصحة أم البكابورت؟!

ورغم تخصيص مبلغ 114 مليار جنيه للصحة في موازنة 2020، فإن هذا المبلغ “لا يوفي بنسبة الـ3% التي أقرها الدستور، فضلا عن أن 38 مليارا منها تذهب لمشروعات الصرف الصحي”، حسب محمود فؤاد المدير التنفيذي للمركز المصري للحق في الدواء.

ولفت فؤاد إلى أن المخصصات الفعلية للصحة هي 76 مليار جنيه، تلتهم رواتب العاملين أكتر من 40% منها، وهو ما يؤدِّي إلى تردي الرعاية الصحية التي تمثل واحدا من أهم حقوق الإنسان.

ويشير فؤاد إلى أن 65% من أرباح الصحة تذهب للموظفين بالقطاع، ما جعل الربح أولوية لدى مسئولي الصحة، الأمر الذي يضرب مبدأ العدالة في الإنفاق التي نصت عليها المادة 18 من الدستور.

أحد مديري المستشفيات الحكومية يؤكد أن “مليارات الموازنة لا تعني للمواطن سوى 550 جنيها هي نصيبه منها خلال العام، أي أقلّ من 50 جنيها شهريّا، وهو مبلغ لا يكفي لعلاج نزلة برد”.

مدير المستشفى، الذي طلب عدم ذكر اسمه، يؤكد أن “الوضع مأساوي ولا توجد خطة حقيقية لإنهائها”، مضيفا: “عندما يدخل المريض إلى مستشفى فهو بحاجة إلى فحص وعلاج؛ نحن نوفر له الفحص ولا نوفِّر له العلاج”.

ويؤكد المتحدث أن “الحالات التي تحتاج إلى رعاية غالبا ما تحصل على سرير غير آدمي في غرفة متهالكة، وإذا تعطل لدينا جهاز فإن إعادة إصلاحه تستغرق شهوراً. كل هذا بسبب ضعف الميزانية”.

هناك المستشفيات التخصصية وهي حكومية وتملك إمكانات ممتازة، لكنها تقدمها لمن يدفع، وترفع شعار “كامل العدد” في وجه الفقراء، كما يقول المتحدث.

من يدفع لمَن؟

ويتابع مدير المستشفى: “نستقبل آلاف المرضى بالعيادات الخارجية للحصول على تشخيص وعلاج مجاني، لكننا نصرف لهم المتوافر من الدواء. المريض يدفع 40 جنيها ثمن تذكرة الدخول ليحصل على دواء بـ20 جنيهاً وربما أقلّ، فمن يدفع لمَن؟”.

ويعتقد المتحدث أن توفير الحكومة خدمة محترمة بتكلفة متوسطة هو الحل الأفضل للطرفين، فالمرضى يدفعون مبالغ كبيرة للقطاع الخاص، ومِن ثَم فهم مستعدون للدفع لمستشفيات الحكومة لو توافرت الخدمة الجيدة بتكلفة أقل.

وتعجّ المستشفيات الحكومية بالمرضى، ويعمل آلاف الأطباء والممرضين لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، في حين يبقى الحل الأكثر واقعية هو الذهاب إلى المستشفيات الخاصة التي يتطلب العلاج فيها مبالغ يعجز الفقير عن توفيرها.

Facebook Comments