ربما لم يلق خبر التقرير التقرير الرسمي الصادر من الجهاز المركزي للإحصاء عن ارتفاع نسب الفقر في مصر الترويج الحقيقي، خاصةً أنه يلقي بظلال كئيبة على المصريين الذين تخطوا نسب الـ32% من الفقر.

اللواء خيرت بركات، رئيس الجهاز المركزي للإحصاء، قال إن أبرز نتائج بحث الدخل والإنفاق والتي تضمنت بلوغ نسبة الفقر على مستوى الجمهورية نحو 32.5% مقابل 27.8% في بحث 2015 بزيادة 4.7 نقطة مئوية.

يأتى هذا في الوقت الذي كشفت تقارير رسمية صادرة عن مركز الأهرام للدراسات عن ارتفاع نسب الفقر في كافة الأقاليم الجغرافية خلال العامين الأخيرين، فعلى سبيل المثال ارتفعت في الريف عامة من 35.95% في عام 2015 إلى 38.39، وفي المحافظات الحضرية حدثت قفزة واضحة من 15.11% إلى 26.73%، وكذلك في حضر الوجه البحري من 9.67% إلى 14.31%، وفي ريف الوجه البحري من 19.71 % إلى 27.29%؛ وذلك في الفترة من عام 2015 حتى عام 2017-2018. ويتضح إذًا أن المناطق الثلاث الأخيرة شهدت زيادات كبيرة في نسب الفقر، ويرتبط الفقر بمحددات متنوعة، مثل كبر حجم الأسرة، ومحدودية التحصيل التعليمي، ونقص الطعام، والعمل في القطاع غير الرسمي.. إلخ.

الجزء المشار إليه جاء تحت عنوان “حالة العدالة الاجتماعية في مصر”، وكشف عن ارتفاع نسبة الفقر من 27.8% عام 2015 إلى 32.5% في عام 2017-2018.

ومن الجدير بالذكر أن بيانات مسح الدخل والإنفاق عام 2017-2018 تشير إلى الارتفاع المتتالى لمعدلات الفقر منذ عام 1999 حتى عام 2017-2018؛ حيث كانت نسبة الفقر فى عام 1999 2000- %16.7 ثم ارتفعت إلى 19.6% في عام 2004 2005- ثم إلى 21.6% عام 2008-2009، وقفزت بشكل أكبر فى 2010-2011 لتصل إلى 25.2% ثم 27.8% في عام 2015-، وأخيرًا 32.5 % فى 2017 2018-.

أما بالنسبة للفقر المدقع، فقد ارتفعت النسبة من 2.9% عام 1999-2000 إلى 3.6% في عام 2004 2005-، ثم قفزت إلى 6.1% في عام 2008-2009، وعاودت في الانخفاض في عام 2010-2011 إلى 4.8% ثم 4.4% في عام 2012-2013، ثم عادت للارتفاع في عام 2015 إلى 5.3 %، ووصلت وفقًا لمسح الدخل والإنفاق عام 2017 2018- إلى 6.2 % .

شيزوفرينيا العسكر

الفقر المدقع قابله في الاتجاه الأخر العديد من المشروعات غير ذات الجدوى الاقتصادية لغالبية المصريين، بعدما اقتصرت على صفوة الصفوة من المجتمع “الأثرياء” فقط.

أستاذ الاقتصاد أشرف دوابة  قال إن التنمية الحقيقة تؤدي إلى تراجع معدلات الفقر، إلا أن ما يحدث في مصر الآن هو إطلاق مشروعات تجميلية تستفيد منها مجموعة محدودة من الأثرياء كما حدث في بناء العاصمة الإدارية التي تتكلف مئات المليارات من الجنيهات وسعر الشقة فيها يصل إلى أكثر من مليوني جنيه.

وقال: إن قفزة نسبة الفقر كشفت أن الإنجازات التي يعلن عنها النظام وهمية وتجميلية ولا تعود بالفائدة على المواطنين.

وتوقع دوابة ارتفاع نسبة الفقر مجدّدًا خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الإجراءات التقشفية التي تحمل المواطن عبء فشل إدارة الملف الاقتصادي.

وتبلغ تكلفة العاصمة الإدارية حسب التخطيط المبدئي نحو 90 مليار دولار على مرحلتين، وأظهر مؤشر “عقارماب” الذي يرصد أسعار العقارات في مصر في شهر يوليو الماضي، ارتفاع أسعار الشقق السكنية في العاصمة الإدارية بنسبة 122 في المائة، بالمقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، كذا ارتفع سعر المتر المربع للفيلات بنسبة 2.4 في المائة، وبلغ حجم الطلب 13 في المائة. وأنفق النظام المصري مبالغ طائلة على المشروعات التجميلية، ومنها تفريعة قناة السويس بلا عائد على المواطن، حسب دوابة. وبلغت تكلفة حفر التفريعة نحو 20 مليار جنيه حسب تصريحات سابقة للسيسي، بالإضافة إلى فوائد شهادات الاستثمار البالغة قيمتها نحو 64 مليار جنيه.

كرباج الانقلاب

الفقر فى حد ذاته موجود فى مصر منذ عشرات السنين، لكنه ازداد بعدما رضخ الانلاب العسكر لـ”كرباج” صندوق النقد الدولى بعدما أبرم إتفاقية القرض الشهير” 12 مليار دولار” لزيد من أوجاع الملايين من المصريين.

واتجهت الحكومة المصرية نحو إجراءات تقشفية، وسط أزمات مالية حادة أدت إلى ارتفاع نسب العجز وزيادة الديون المحلية والخارجية إلى مستويات قياسية.

الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب قال: إن ارتفاع نسب الفقر كان متوقعًا مع مزاعم تنفيذ الحكومة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد؛ ما أدى إلى أعباء إضافية على المواطنين.

وأضاف أن ما حدث هو نتيجة مباشرة لسياسات تعويم الجنيه أمام العملات الأجنبية؛ حيث أدت هذه السياسات إلى تضاعف أسعار كافة السلع والخدمات، وانخفاض القوة الشرائية للعملة المصرية، وعلى الجانب الآخر كان هناك ثبات للدخول بالقيمة الاسمية، وانخفاض بالقيمة الحقيقية.

وطالب عبد المطلب الحكومة بضرورة مراعاة محدودي الدخل في ظل رفع أسعار الوقود والسلع وتقليص الدعم وفرض ضرائب جديدة، وتابع: من أفضل وسائل علاج ارتفاع نسب الفقر هي تهيئة الظروف لزيادة الإنتاج، وتشجيع إقامة المشروعات الجديدة، وإتاحة فرص أكثر للعمل وزيادة الدخل، كما أن توفير التمويل المناسب لإقامة المشروعات الصغيرة والمتوسطة يعد أحد حلول زيادة الإنتاج لتقليص نسب الفقر، حسب الخبير الاقتصادي.

مصر الانقلاب إلى أين؟

الأمر وصل إلى العاليمة، إذ سلطت التلفزيون الألمانى من قبل على الكارثة ،حيث قالت DW إن مؤشر الفقر والتعاسة لدى المصريين قد ارتفع رغم إعلان الحكومة المصرية زيادة معدل النمو بشكل غير مسبوق.

وتساءلت الصحيفة  ساخرةً: كيف يحصل ذلك في بلد وعد فيه عبد الفتاح السيسي وحكومته المصريين مرارا وتكرارا بالرفاهية من خلال تحسين مستواهم المعيشي بعد البدء بإصلاحات قاسية ومؤلمة، من أبرزها تعويم الجنيه المصري في خريف عام 2016″.

وأشارت بيانات الجهاز المركزي الأخيرة المتعلقة بمعدلات الفقر أن ثمار الإصلاح لا يتمتع بها غالبية المصريين، مستدلة بارتقاع معدلات البطالة توازيا مع زيادة نسب الفقر، رغم إعلان الحكومة عن مشاريع واستثمارات كبيرة برعاية الدولة في أكثر من منطقة بالبلاد.

وتساءل التقرير عن مآلات ثمار الإصلاح وأسباب عدم انتفاع الأغلبية الساحقة بها، مشددا في سياق متصل على أن ارتفاع معدلات النمو جاء بشكل رئيسي بفعل استثمارات حكومية في قناة السويس، وقطاعي الغاز والنفط وقرض من صندوق النقد الدولي بقيمة 12 مليار دولار، إضافة إلى قروض ومساعدات عربية وتعافي إيرادات السياحة بشكل ملحوظ.

وأوضح التقرير أن الإيرادات والعوائد الناتجة عن ذلك في يد الدولة التي ضخت القسم الأكبر منها في مشاريع يتملكها الجيش ويعمل عليها تكلف مليارات الدولارات، مثل مشروع العاصمة الإدارية الجديدة شرق القاهرة، وقبله مشروع توسيع قناة السويس ومشاريع الكهرباء والطاقة.

وأضافت: أما زيادة الأجور التي حصلت مؤخرا والتي جعلت الحد الأدنى للمرتبات الشهرية بحدود ألفي جنيه، أي حوالي 120 دولارا، فلا يمكن لها تعويض ارتفاع الأسعار وخفض الدعم عن السلع الأساسية، بهدف ترك العرض والطلب يتحكم في أسعارها لاحقا. وشملت آخر حزمة من هذا الخفض أنواع البنزين التي قفزت أسعارها بنسب تتراوح بين 18 إلى نحو 23 بالمائة. ومع استمرار عملية الإصلاح على هذا المنوال، فإن الوضع يسير نحو مزيد من تدهور القوة الشرائية لغالبية المصريين.

Facebook Comments