أطلق البعضُ عليها «مجزرة القرن»، وهى بالفعل تستحق هذا اللقب؛ لكثرة ضحاياها وللدماء التى أُريقت فيها، وللقسوة التى اتسم بها الجانى حين انقض على ضحيته، ولأن القرن لم يمر عليه مثل هذا الغدر؛ إذ الضحايا مدنيون سلميون، يمثلون أغلبية شعب، وهم بالملايين وليسوا أعدادًا هزيلة.

ومهما وصفنا بشاعة ما حدث فلن نوفى الحادث حقه، ويستطيع القارئ الكريم رؤية تلك الجريمة بتفاصيلها على المواقع الإلكترونية التى وثقتها، وهى عديدة، وهناك سيجد مئات «الفيديوهات» التى صورتها كاملة.

أسفر فض اعتصام «رابعة العدوية»، الذى استمر قرابة (50) يومًا لرفض الانقلاب العسكرى وتأييد الشرعية والمطالبة بعودة الرئيس «محمد مرسى»، يوم الأربعاء (14/8/2013) عن (2600) شهيد وعشرات الآلاف من الجرحى والمصابين، معظمهم جاءت إصابته بالرقبة والصدر، كما أصيب المئات من النساء والأطفال بحالات اختناق من أثر القنابل المهيجة للأعصاب التى ألقيت على المتواجدات بمصلى السيدات بمسجد «رابعة».

وقامت قوات الجيش والشرطة بقطع الكهرباء عن الميدان، وشبكات الهاتف والإنترنت، كما قامت بحرق مخازن الدواء، قبل أن تخلى المستشفى الميدانى، بطوابقه الستة، عن طريق قصفه بقنابل الغاز والأعيرة النارية والخرطوش وتفريق الأطباء بالقوة لمنعهم من إسعاف الجرحى، ثم حرقه بالمصابين والجثث التى بداخله، وقد منعوا دخول سيارات الإسعاف إلى الميدان لنقل الجرحى والمصابين.

واستهدفت القوات المهاجمة الصحفيين وكل من يقوم بتصوير القناصة وهم يستهدفون العزل، واعتقلت أعدادًا كبيرة من المراسلين والمصورين، وأهانتهم إهانات بالغة، وانتزعت منهم آلات التصوير، كذلك تم الاعتداء على الأجانب منهم، ثم قامت القوات بوضع الأسلحة داخل خيام المعتصمين قبل أن يحرقوها فى شارع الطيران، وقاموا بتصويرها على هذه الحال.
وقبل انسحابها أحرقت مسجد «رابعة».

وقد افترش الآلاف من أهالى حى «مدينة نصر» شارع «مصطفى النحاس»؛ لمنع مدرعات الجيش من الوصول إلى محيط الاعتصام، وقد رفضوا الانصياع لتهديدات الضباط، وأصروا على ألا تمر هذه المدرعات ولو على جثثهم.

وخرجت مسيرات تضم الآلاف من عدة مساجد بالقاهرة والجيزة لدعم الاعتصام الذى يواجه الإبادة؛ حيث تجمعت الحشود أمام مسجدى الفتح برمسيس، والنور بالعباسية، وغيرهما وتوجهت نحو الميدان. وما إن وصلت المسيرات إلى «رابعة» حتى قامت قوات الجيش بإطلاق الرصاص فى الهواء بشكل هيستيرى، وكانت كلما تقدمت هذه المسيرات ازداد إطلاق النار.

وهاجمت قوات الجيش والشرطة المسيرة السلمية الحاشدة لأهالى «الألف مسكن» أثناء اتجاهها إلى ميدان «رابعة العدوية» لنجدة الثوار؛ ما أدى إلى استشهاد (30) متظاهرًا وإصابة العشرات بالرصاص الحى. وسقط عشرات الشهداء ومئات المصابين من الثوار أمام وزارة المالية قريبًا من ميدان «رابعة»، واستخدمت القوات الأسلحة الثقيلة (عيار 30م) الخارقة للدروع فى قتل المتظاهرين العزل.

ثم اكتملت الخيانة، فى اليوم التالى، بإصدار الأوامر لمستشفيات مدينة نصر، العامة والخاصة، بمنع استقبال الجرحى والمصابين، كما امتنع مفتشو الصحة عن الذهاب إلى مسجد «الإيمان»، الذى كان به جثامين لأكثر من (300) شهيد، بينها نحو (50) جثة متفحمة تمامًا؛ لإعداد تقارير أسباب الوفاة وتصاريح الدفن. وكان قد تم نقل هذه الجثامين المحترقة إلى المسجد فى محاولة لإخفاء بشاعة المجزرة التى وقعت فى المستشفى الميدانى.

كان الوضع مأساويًّا فى مسجد «الإيمان»؛ إذ ازدحمت ساحته بالجثث حتى أدى مئات الألوف ممن توافدوا عليه الصلوات خارجه، فى ظل توافد عشرات الجثث من مشرحة «زينهم» لصلاة الجنازة عليهم، وفى ظل عدم وجود تجهيزات لحفظ الجثامين فى هذا الحر القائظ؛ ما دفع البعض إلى إرسال سيارات محملة بألواح الثلج لإنقاذ ما يمكن إنقاذه..

ولما توافد الإعلام لتسجيل هذه المشاهد المأساوية، سارع الانقلابيون بإرسال قوات لخطف الجثامين، ولتعتقل المئات من ذوى الضحايا الذين لم ينتهوا بعدُ من التعرف على أبنائهم؛ كلُّ هذا لأجل التعتيم على المذبحة، وعلى الأعداد الحقيقية للضحايا.

أما فى مشرحة «زينهم» فكان الأطباء بها يعدون تقارير وفاة مزيفة يدّعون فيها أن الشهداء ماتوا منتحرين، وقد اضطر بعض الأهالى إلى الرضوخ حرصًا على انتزاع جثامين ذويهم ومواراتها التراب.

أما فى «النهضة» فكانت الجريمة أفظع؛ حيث قامت القوات المهاجمة بإضرام النيران فى خيام المعتصمين ما أدى إلى تفحم جثث الكثيرين، وحاصرت القوات آلاف المعتصمين الذين فروا من زخات الرصاص الحارق وقنابل غاز الأعصاب إلى مبنى كلية الهندسة المجاور فأصيب منهم المئات، لكن القوات منعت الإسعاف من الوصول إليهم، وواصلت إمطارهم بقنابل الغاز ولعدة ساعات.

ولما احتشدت الجماهير التى هرعت إلى ميدان «النهضة» لفك إخوانهم طاردتهم القوات وأطلقت عليهم الغاز والرصاص الحى وجيش من البلطجية، فتوجهوا إلى ميدان «مصطفى محمود» بالمهندسين، إلا أن قناصة من الجيش والشرطة احتلت العمارات المحيطة بالميدان وأمطرتهم بالرصاص فأوقعت (50) شهيدًا ومئات الإصابات الخطيرة؛ ما دفع أطباء الميدان إلى إرسال استغاثات باسم الإنسانية للجميع لبشاعة المشهد، ولانهيار الطاقم الطبى أمام كثرة الموتى والمصابين، ولعدم وجود إمكانات تواجه نتاج هذه المجزرة الرهيبة التى لم تكن قد انتهت ساعة صدور الاستغاثة.

هذه بعض مشاهد مذبحة «رابعة»، وهى بالتأكيد غير التى ترونها فى إعلامهم الهابط.

Facebook Comments