واحد من أبرز الملفات الموجودة بشكل دائم على مكاتب رؤساء الدول والحكومات هو ذلك الملف الذي يحوي مؤشرات الصحة الاقتصادية والمالية داخل الدولة، هذا الملف يعطي لصانع القرار مؤشرات مهمة تساعده في اتخاذ قراراته، وتنفيذ برنامجه الانتخابي الذي وعد ناخبيه بتحقيقه والذي من أبرز ملامحه توفير حياة كريمة للمواطن.

من بين تلك المؤشرات، مخزون السلع الاستراتيجي، مدى توافر السلع والمواد الخام الأساسية خاصة السلع الغذائية، مؤشرات واتجاهات الأسعار، معدل التضخم في الأسواق، وما إذا كانت هناك موجة زيادة في الأسعار وأسبابها وكيفية التغلب عليها، القدرة الشرائية للمواطن، السيولة النقدية المتاحة داخل المجتمع، سعر صرف العملة المحلية مقابل الدولار.

أيضا يتابع رؤساء الدول وبشكل مستمر مؤشرات مهمة أخرى منها، مدى متانة القطاع المصرفي والمالي، أعباء الديون الخارجية المستحقة على الدولة، ومدى جاهزية البنك المركزي لسدادها في الموعد المحدد، قيمة احتياطي البلاد من النقد الأجنبي ومدى كفايته لسداد مستحقات الديون وتمويل واردات البلاد من السلع الأساسية والدفاع عن العملة المحلية في حال حدوث مضاربات غير مشروعة عليها.

أيضا من المؤشرات المهمة لرؤساء الدول، حجم تدفق النقد الأجنبي على الدولة خاصة من الأنشطة الرئيسية كالتصدير والسياحة والاستثمارات الأجنبية وتحويلات المغتربين. الإيرادات العامة وعجز الموازنة، حال الميزان التجاري وميزان المدفوعات، معدل النمو الاقتصادي وغيرها.

لكن أخطر هذه المؤشرات التي تحظى باهتمام أكبر من قبل صانع القرار السياسي والاقتصادي هو ذلك المؤشر المتعلق بالوظائف الجديدة وفرص العمل التي توافرت للاقتصاد خلال فترة زمنية قصيرة، أسبوع أو شهر أو سنة على الأكثر، ومعدل البطالة وما إذا كان قد شهد زيادة أم تراجعا، وفي أي الفئات تتركز البطالة، وما أسبابها، وكيف يمكن الحد منها؟

ومن هذا المؤشر المهم يلقي المسؤول الأول في الدولة نظرة متعمقة على القطاع الإنتاجي والصناعي، عدد المصانع، خطوط الإنتاج التي تم إضافتها، الاستثمارات الجديدة، وكذا على القطاعات الأخرى المولدة لفرص العمل.

الرئيس الأميركي جو بايدن على سبيل المثال يعطي أولوية قصوى لملف الوظائف ومؤشر فرص العمل وعدد الفرص التي تحققت للأميركان خلال أسبوع، ويناقش مع مستشاريه أسبوعيا هذه الأرقام بالتفصيل، وأسباب زيادتها في حال تحسنها وكيفية تعميق ذلك التحسن، أو علاجها في حال تراجع فرص العمل المتاحة وزيادة عدد العاطلين عن العمل المتقدمين للحصول على اعانة بطالة.

يتكرر المشهد مع رؤساء دول وحكومات الاقتصادات الكبرى سواء دول مجموعة السبع الصناعية الكبرى G7، أو دول مجموعة العشرين، حيث تحظى قضية الوظائف ومكافحة البطالة بأولوية قصوى لدى صانعي القرار في هذه الدول، بل ويفوق الاهتمام بقضية العمل في بعض الأوقات قضايا أخرى بما فيها الضرائب والسياحة والصادرات وغيرها.

خلق وظائف جديدة وتوليد فرص عمل هو مقياس صحة الاقتصاد من وجهة نظر تلك الحكومات، وكذا مؤشرات أخرى منها التوسع في تشييد المدارس والمستشفيات ودور الرعاية الصحية والمعاهد والجامعات والمساكن والمصانع وخطوط الإنتاج وتوسيع المشروعات القائمة في مجالات البنية التحتية والصرف الصحي والطرق وشبكات إنتاج المياه والكهرباء.

هذه الحكومات تدرك أن بناء وتنشيط الاقتصاد ليس بدهان واجهات المنازل، وليس بانتظار إشادة بالاقتصاد من مؤسسة تمويل دولية مقرضة للدولة، أو من صندوق النقد والبنك الدوليين اللذين يوزعان اشادتهما على كل الدول بما فيها الدول التي أفلست وتعثرت ماليا، أو من وكالة تصنيف ائتماني عالمية أو حتى مجلة اقتصادية ووسائل اعلام محلية.

لكن المقياس الحقيقي للاقتصاد القوي هو بتحسن مستوى معيشة المواطن، وتوفير السلع والخدمات والدواء بسعر مناسب وتكلفة مقبولة، ودعم قدرة المواطن الشرائية، وبتوفير خدمات رئيسية كالتعليم والصحة والمسكن، بل ومساعدته على الادخار والترفيه.

Facebook Comments