كما أكدت "بوابة الحرية والعدالة" في تقارير سابقة على وجود مخطط من سلطات الانقلاب لتقليص المساحات الخضراء وتحويل الحدائق العامة لمشاريع استثمارية وعقارية لصالح الجيش، رافعا شعار توفير المياه إثر أزمة سد النهضة وتراجع كميات المياة الواردة لمصر، وهو ما جرى مع حديقة الطفل بمصر الجديدة، وحديقة الأورمان وحديقة الحيوان بالجيزة، بتحويل أجزاء منهما إلى كافيهات ومشاريع سياحية، وهو ما تكرر أيضا مع حدائق النيل بالمنصورة وتحويلها لأبراج سكنية ومشاريع عقارية تقيمها الهيئة الهندسية للقوات المسلحة.

ويتكرر اليوم توحش السيسي ونظامه العسكري، الذي يريد أن يعيش المصريون جميعهم في بيئة صفراء جبلية أو أسمنتية لا خضرة فيها. مستغلا سلطاته غير المطلقة وعدم رقابة أي جهة أو محاسبته في ظل عجز مجلسي النواب والشيوخ المصنوعين على أعين وأيدي المخابرات والأجهزة الأمنية، ولا تكاد تنطق ألسنتهم إلا بسكريبت مرسل إليهم عبر رسالة سامسونج أيضا كما، الإعلام الذي لا يتكلم إلا بالتطبيل والتهليل لأي إنجاز للسيسي حتى وإن كان نكسة حضارية أو سياسية أو اقتصادية.

فيما شن سكان مصر الجديدة والقاهرة حملات انتقادات وهجوم واسع على سياسة التصحر التي يشنها السيسي وعساكره، معتدين على "حديقة الميرلاند" أقدم حدائق مصر التي تمثل الرئة الوحيدة الخضراء  الباقية لسكان مصر الجديدة والقاهرة الجديدة.

مخطط الاستيلاء على الحديقة

ويتسارع  مخطط جيش الانقلاب للاستيلاء على أجزاء كبيرة من "حديقة الميرلاند" التاريخية، والبدء في تجريفها تمهيدا لتحويلها إلى عمارات سكنية ومطاعم وأنشطة تجارية مؤجرة لصالح الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، على غرار ما حدث مع حديقة الطفل في حي مدينة نصر، وحديقة قصر عابدين بوسط القاهرة.

وحديقة الميرلاند تقع على مساحة 50 فدانا، وهي المتنفس الأخضر الوحيد حاليا لأهالي مصر الجديدة، إثر القضاء على جميع المساحات الخضراء في الحي لإنشاء العديد من الطرق والكباري الجديدة، ويعود تاريخ إنشاء الحديقة إلى عام 1949 في عهد الملك فاروق تحت اسم نادي سباق الخيل، وتضم الكثير من الأشجار المعمرة، فضلا عن بحيرة مخصصة للمراكب الصغيرة، ومشتل لتشجير الحديقة، وبيع النباتات للجمهور، إلى جانب برجولات، ومشايات وشلالات.

كما جرى إغلاق الحديقة أمام الجمهور من دون إعلان الأسباب، وبدء الهيئة الهندسية للجيش في أعمال تجريفها وإزالة الأشجار والأرصفة من شارعي نهرو والأندلس في محيط الحديقة، وكذلك هدم مشتل مصر الجديدة بدعوى إنشاء شارع جديد وإنشاء مركز تجاري لصالح الجيش على أرض حديقة شارع الحجاز.

ونشرت "مبادرة تراث مصر الجديدة" بيانا عبر صفحتها على موقع فيسبوك، تحت عنوان "ارفعوا أيديكم عن سكان وأشجار وتراث مصر الجديدة" قالت فيه "الواقع كما هو اليوم استقطاع جزء من حديقة الميرلاند، وقطع الأشجار وهدم منطقة الباتيناج التراثية من أجل إقامة نصب تذكاري، بعد استلام الموقع من جانب الهيئة الهندسية للقوات المسلحة".

وأشار البيان إلى "توسعة شارع نهرو إلى 5 حارات في كل اتجاه، ونزع كل الأشجار فيه، وإنشاء شارع جديد خلف حديقة الميرلاند، وصولا إلى شارع جسر السويس، بالإضافة إلى هدم مشتل مصر الجديدة كليا، وتحويل حديقة غرناطة إلى سنتر تجاري، علاوة على بناء هيئة النظافة كافتيريا بالطوب الأحمر داخل حديقة الفاسقية في منطقة روكسي".

ودانت المبادرة هدم تراث المباني وقطع الأشجار في حديقة الميريلاند، بما يمثل مخالفة صارخة لقوانين البيئة، والتنسيق الحضاري. وفي المقابل صمت محافظة القاهرة ووزارة البيئة، بحجة استثمار جهة سيادية (غير معلومة) في منطقة المطاعم، عقب أسابيع قليلة من تهجير المواطنين من منازلهم في منطقة ألماظة بحي مصر الجديدة بحجج غير شفافة أو مفهومة.

وعبر فيس بوك تساءلت مريم ماجر، إحدى سكان المنطقة "هل يوجد مسؤول في مصر لديه من الضمير لإنقاذ الأشجار المعمرة في شارع نهرو؟ نهرو شارع سكني هادئ جدا خلف حديقة الميريلاند في مصر الجديدة، والعمارات توجد على ناحية واحدة من الشارع، وحديقة الميرلاند على الناحية الأخرى ولشارع واسع جدا، ولا يشهد ازدحاما مروريا لتوسعته، وأضافت اليوم قرروا تصغير الرصيف أمام العمارات من أجل توسعة الشارع الجانبي الواسع في الأصل، وبالتالي قطع كل الأشجار أمام العمارات، وهي أشجار قديمة وجميلة جدا مثل أشجار حديقة الميريلاند، والسؤال هو لماذا تدمير شارع سكني هادئ، وجعل المرور منه مستحيلا للسكان مثل كل شوارع مصر الجديدة حاليا"؟

عشوائية العسكر 

سياسات  المنقلب السفيه السيسي في تدمير أحياء مصر الراقية، التي ظلت لسنوات نموذجا للجمال والهدوء، من أجل بزنس عسكري لا يتوقف ولا يشبع ولا يصب في ميزانية الدولة، بل في موازنة مجهولة المعالم وفي كروش العسكر والقيادات بعيدا عن خزانة الدولة.

وكان السيسي قد وجه الجهات المختصة بـ"تعظيم الاستفادة المالية من حديقتي الحيوان والأورمان التاريخيتين في محافظة الجيزة"، ما يعني تحويلهما إلى أماكن للمطاعم والمقاهي الحديثة، بعد إزالة وتجريف أكبر قدر ممكن من المساحات الخضراء، مثلما حدث مع حدائق "عروس النيل" و"صباح الخير" و"هابي لاند" الأقدم في مدينة المنصورة عاصمة محافظة الدقهلية، والتي تم هدمها لإنشاء مشروع سكني باسم تحيا مصر المنصورة.

وحصلت الشركة الوطنية المملوكة للجيش بـالأمر المباشر على حق استغلال منطقة المنتزه التاريخية في محافظة الإسكندرية، بعد تجريفها تماما من الأشجار النادرة والمعمرة، وكذلك بالنسبة لأراضي مستشفى العباسية للصحة النفسية في القاهرة، لتحويلها إلى متاجر ومطاعم وكافيهات كتلك المنتشرة تحت الكباري  الجديدة في مناطق شرق القاهرة، وعلى امتداد محور 26 يوليو بين مدينة السادس من أكتوبر وطريق القاهرة – الإسكندرية، وفي محيط المحطات الجديدة لتموين الوقود على الطرق السريعة.

ولعل ما يجري في عموم مصر من سياسات الهدم لمنازل الغلابة في القرى والمدن وتجريف المساحات الخضراء،  يعبر عن وحشية العسكر ونهبهم للمال والتعامل مع مصر بعقلية السمسار، الذي يريد إنجاز أكبر قدر من العمولات والمصالح المالية على حساب القيم والتاريخ والبيئة والحقوق وهو نهج تخريبي يقود البلاد لمستنقع الدمار والخراب والانهيار الحضاري والجمالي وهو ما يؤكد أن السيسي ونظامه ما هم إلا مجموعة من القبحى عاشقي السوء والقبح والانتهازيين.

Facebook Comments