التعامل مع السجلات المدنية، سواء لاستخراج بطاقات الرقم القومي أو شهادات الميلاد والوفاة والزواج أو القيد العائلي وغيرها من الوثائق الرسمية التي لا غنى عنها في حياة المواطن، تحول إلى رحلة عذاب واستنزاف في زمن الانقلاب الدموي بقيادة عبد الفتاح السيسي.
ورغم التطور التكنولوجي وعملية التحول الرقمي التي شهدتها فروع السجل المدني والمراكز النموذجية، إلا أن المواطن يعاني في رحلة الحصول على وثيقة رسمية، والطوابير تلاحقه في الأماكن الحكومية التي يذهب إليها.
وثائق الميلاد والزواج والطلاق والوفاة العذاب فيها مر، لكن من الممكن للمواطن أن يتحمله، بينما القيد العائلي، خاصة إذا كانت بيانات الشخص تحتاج إلى تعديل، يمثل رحلة عذاب صعبة لا يمكن تحملها.
ويواجه بعض المواطنين مشكلة أكبر في استخراج قيد عائلي عندما يكتشف أن بياناته على السيستم خاطئة وتحتاج إلى تصويب، وهذا الخطأ قد يكون حرفًا زائدًا أو ناقصًا في اسم جده للأب أو الأم، أو اسم الجد والجدة الرابع والخامس، وهنا يكون العذاب أشكالًا وألوانًا.
من جهة أخرى، تعمل حكومة الانقلاب على استنزاف المواطنين من خلال رفع أسعار استخراج الوثائق، سواء بالشكل العادي أو الفوري، دون مراعاة للظروف الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها الجميع.
يشار إلى أن أسعار استخراج الوثائق تختلف ما بين الفوري والعادي، فالقيد العائلي العادي يستغرق عدة أيام بتكلفة 80 جنيهًا، بينما الفوري بـ 210 جنيهات. وشهادات الميلاد والوفاة بـ 25 جنيهًا، بينما يمكن استخراجها من الماكينات إلكترونيًا بـ 50 جنيهًا.
طوابير ومشاحنات
حول هذه المأساة، قال فؤاد سليمان إنه اتجه إلى المقر الرئيسي للأحوال المدنية في العباسية لاستخراج قيد عائلي، وفوجئ بطوابير ليس لها آخر بجانب المشاحنات والشجار بين المواطنين على أحقية الوقوف في الطابور.
وأضاف سليمان في تصريحات صحفية أن كل مواطن يتجه إلى السجل المدني له هدف يختلف عن الآخر؛ فالبعض يذهب لاستخراج الوثائق من أجل التجنيد أو التقديم للكليات العسكرية والشرطة، والبعض الآخر يذهب لاستخراج أوراق من أجل إثبات الزواج أو الطلاق، وآخرون يكون هدفهم التقديم لأبنائهم في المدارس والجامعات، بينما البعض يكون هدفه التقديم في وحدات الإسكان الاجتماعي وغير ذلك.
وأشار إلى أن البعض أثناء الانتظار في الطابور يكتشف مشكلة عندما يسأل عن الأوراق المطلوبة لاستخراج الوثيقة، ثم يكتشف أنه لا بد من تصوير مستندات متعددة من أجل استكمال الطلب، وهو ما يجعله يضطر للجوء إلى أقرب أماكن تصوير في السجل، والتي تستغل حاجة المواطن لإنجاز مهمته بسرعة وترفع عليه أسعار التصوير مقارنة بأماكن التصوير في الأماكن العادية، ما يضيف تكاليف زائدة عليه.
وأوضح سليمان أنه عند الوصول إلى الموظف المسؤول، يكتشف معظم المواطنين أن الدفع عن طريق الفيزا والبطاقات الائتمانية بعد إلغاء الدفع النقدي في الجهات الحكومية، وهذه معضلة أكبر، لأن عددًا ليس بالقليل منهم لم يكن في حسبانه هذا الأمر، ويضطر إلى الاستعانة بمواطنين آخرين يمتلكون فيزا، وفي هذه الحالة، قد يرفض البعض منهم المساعدة، ما يجعله يترك أوراقه مع الموظف ويبحث في الخارج عمن يساعده أو ينتظر في طابور جديد من أجل الدفع في “فوري” أو “أمان” وغيرها من شركات الخدمات المالية.
رحلة عذاب
وقال باسم مصطفى، خريج كلية الإعلام، إنه كان يريد الالتحاق بإحدى الكليات العسكرية، وعندما توجه للسجل المدني لاستخراج قيد عائلي لاستكمال الأوراق، اكتشف أن اسم جدته لأمه به خطأ في حرف زائد، وكان تعديل هذا الخطأ بمثابة رحلة عذاب بالنسبة له.
وأضاف مصطفى في تصريحات صحفية أن تعديل هذا الحرف استغرق وقتًا طويلًا وتكلفة مالية كبيرة، ما بين الذهاب والإياب على المكاتب، ثم استخراج شهادة ميلاد جديدة لكل خال وخالة من عائلته، حتى تم استكمال تعديل الاسم على السيستم. ما أدى إلى زيادة التكلفة المالية بشكل كبير.
وأكد أنه لولا تدخل بعض الوسطاء، ما كان التعديل سيستكمل ويحصل على القيد بالصورة التي تمت، وكان الأمر سيستغرق وقتًا أطول، قائلًا: “يا ويلك لو اسمك أو اسم جدك فيه غلطة.. عذاب الدنيا والآخرة”.
بيروقراطية
وأكدت آمنة أحمد، مطلقة، أن معاناتها مع السجل المدني لم تتوقف عند الأسعار العالية والوقت الطويل والانتظار حتى تستخرج الأوراق، بل في البيروقراطية التي وصلت إلى إلزامها بالتواصل مع طليقها والحصول على موافقة منه لاستخراج الأوراق، رغم أن التواصل بينهما مقطوع.
وكشفت آمنة في تصريحات صحفية أنها جاءت إلى السجل المدني منذ الثامنة صباحًا، وبدأت في استخراج بعض الأوراق كشهادات الميلاد لأبنائها وبطاقة الرقم القومي، إلا أن القيد العائلي يتوقف على موافقة الزوج أو إجراء معين لا بد من اتخاذه من جانبه، وبسبب ذلك لم تستطع استخراجه، خاصة وأن التواصل بينهما مقطوع، رغم أنها أنفقت أموالًا كثيرة في استخراج الوثائق الأخرى.
تكلفة الوثيقة
وقال إبراهيم عبدالله، عامل، إنه جاء إلى السجل المدني وهو يظن أنه سيستخرج الأوراق بسرعة وسهولة، لكنه اكتشف أن الطوابير موجودة في كل مكان، سواء على شهادات الميلاد أو الزواج أو الوفاة.
وأشار عبدالله في تصريحات صحفية إلى أنه بسبب هذا الزحام اضطر إلى اللجوء لاستخراج الأوراق من الماكينات الآلية، التي تصل تكلفة الوثيقة فيها إلى 50 جنيهًا، مقارنة بـ 25 جنيهًا بالطريقة العادية. وهذه تكلفة قد لا يتحملها الكثيرون في ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية، لكن احتياجه العاجل للوثيقة جعله يلجأ إلى هذا الحل.
الفيزا
وقال أسامة طارق، موظف، إنه لم يكن يعلم أن دفع رسوم القيد العائلي وبطاقات الرقم القومي لا بد أن يكون عن طريق الفيزا.
وأضاف طارق في تصريحات صحفية أنه اضطر إلى ترك أوراقه عند الموظف لكي يبحث عن شخص يمتلك فيزا يدفع من خلالها، مقابل أن يحصل على المبلغ منه نقدًا، لكنه لم يجد واضطر إلى الانتظار في طابور آخر للدفع عن طريق “فوري”، ما جعله يتأخر ويستغرق وقتًا أطول.
