في دافوس، لم يكن لقاء ترامب والسيسي مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل حلقة جديدة في صفقة إقليمية غامضة تُدار من فوق رؤوس الشعوب. السؤال الحقيقي: ماذا يطلب ترامب من “حليفه” في المنطقة؟ وأي أثمان تُدفع باسم الشراكة والاستقرار؟
ترامب، الذي سبق أن وصف السيسي علنًا بـ«ديكتاتوري المفضل»، عاد ليمنحه الغطاء السياسي ذاته، مشيدًا بدوره في «الاستقرار الإقليمي»، في الوقت الذي تُدار فيه ملفات مصيرية تتعلق بمستقبل فلسطين وسيناء خارج أي نقاش شعبي أو برلماني حقيقي داخل مصر.
هل تتحول غزة إلى كيان منزوع السيادة، تُدار شؤونه عبر مجلس دولي تهيمن عليه واشنطن وحلفاؤها؟
وهل تكون سيناء – جغرافيًا أو أمنيًا – جزءًا من ترتيبات هذه الإدارة؟
هذه الأسئلة تكتسب خطورتها من التناقض الصارخ مع ما روّجه إعلام الانقلاب لسنوات، حين اتهم الرئيس الشهيد محمد مرسي – زورًا وبهتانًا – بالسعي للتنازل عن سيناء، بينما الوقائع اليوم تشير إلى تفكيك تدريجي للسيادة تحت عناوين دولية وإنسانية.
التجربة تقول إن المطلوب ليس تنمية ولا سلامًا عادلًا. المطلوب هو التنفيذ: حصار غزة، خنق المقاومة، هدم الأنفاق التي كانت شريان حياة، والانخراط في “مجلس سلام” تُمسك مفاتيحه تل أبيب وواشنطن. اليوم تُطرح إدارة دولية لغزة، وغدًا تُفتح شهية التنازلات. هل تكون سيناء جزءًا من الفاتورة؟ ومن يبيع ومن يوقّع؟
المفارقة الفجّة أن من اتُّهم زورًا بالتفريط في سيناء يُستدعى اسمه للتشويه، بينما تُدار الوقائع على الأرض باتجاه تفريغ السيادة مضمونًا ومعنى. لجان، مجالس، رعايات دولية… العناوين براقة، لكن الجوهر واحد: إعادة ترتيب المنطقة وفق مصالح الصهاينة وحلفائهم، مع وكلاء إقليميين يتولّون التنفيذ.
غزة ليست ملفًا إنسانيًا يُدار بالبيانات، ولا سيناء ورقة تفاوض. السلام الحقيقي لا يولد من مجالس مفروضة ولا من صفقات خلف الأبواب المغلقة. ومن يفرّط اليوم بالقطعة، سيستيقظ غدًا على وطنٍ مُجزّأ.
في المحصلة، لا يبدو لقاء دافوس مجرد اجتماع عابر، بل حلقة في مسار طويل من إعادة هندسة المنطقة، يُطلب فيه من النظام المصري أدوار محددة، تتقاطع فيها مصالح واشنطن، والصهاينة، ووكلائهم الإقليميين، وعلى رأسهم الإمارات.
ويبقى السؤال الذي لم يعد يمكن تجاهله:
من الذي يفرّط في سيناء؟
ومن الذي يبيع مصر بالقطعة؟
ومن الذي يُتهم زورًا… بينما تُنفذ التنازلات فعليًا باسم السلام؟

