مع استمرار الحرب في السودان وما تفرضه من تداعيات خطيرة على الأوضاع الإنسانية والأمنية في المنطقة، تتزايد المخاوف من اتساع رقعة الصراع وتحوله إلى أزمة إقليمية ممتدة، في وقت بات فيه المدنيون يدفعون الثمن الأكبر من استمرار العمليات العسكرية والانقسام الداخلي.
وتشير التقديرات إلى أن الأزمة السودانية تجاوزت كونها صراعا داخليا، لتتحول إلى ملف معقد تتداخل فيه الأبعاد السياسية والإنسانية والأمنية، وسط تحذيرات من أن استمرار الوضع الراهن يهدد بتفكيك الدولة السودانية وتعميق حالة عدم الاستقرار في محيطها الإقليمي.
حل سياسي شامل
من جانبه أكد أستاذ العلوم السياسية الدكتور محمد صادق إسماعيل، أن الأزمة السودانية من أخطر وأعقد الأزمات التي تشهدها المنطقة العربية في الوقت الراهن، سواء على المستوى العسكري أو الإنساني، مشيرا إلى أن استمرار العمليات القتالية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع يمثل استنزافا مباشرا لقدرات الدولة السودانية دون أي أفق حقيقي للحسم.
وأوضح «إسماعيل» في تصريحات صحفية أن الأزمة العسكرية في السودان لا يمكن حسمها بالسلاح، ولن تفرز منتصرا أو مهزوما بقدر ما تؤدي إلى تآكل مؤسسات الدولة وتدمير مقدراتها، لافتا إلى أن التجربة أثبتت أن الحل العسكري غير قابل للاستدامة، وأن البديل الوحيد يتمثل في حل سياسي شامل يقوم على التفاوض المباشر بين طرفي الصراع.
وأشار إلى أن الطرف الغائب تماما عن معادلة الصراع هو الشعب السوداني، وهو في الوقت ذاته الطرف الأكثر تضررًا، موضحا أن الأرقام الإنسانية تعكس حجم الكارثة، حيث نزح ما يقرب من نصف سكان السودان من مناطقهم، بينما اضطر أكثر من 10 ملايين سوداني إلى مغادرة البلاد، في ظل تقديرات أممية تؤكد أن السودان يواجه أسوأ كارثة إنسانية خلال عامي 2024 و2025.
وشدد «إسماعيل» على أن الأزمة تجاوزت البعد الداخلي، وأصبحت ذات تداعيات إقليمية خطيرة، خاصة في ظل الموقع الجيوسياسي المهم للسودان، سواء فيما يتعلق بأمن البحر الأحمر، أو أمن شرق إفريقيا، فضلًا عن امتداد التأثيرات السلبية إلى دول الجوار مثل تشاد وليبيا وإثيوبيا، بالإضافة إلى استمرار التوترات في إقليم دارفور.
ضمانات إقليمية ودولية
وأكد أن أي تسوية سياسية لا بد أن تكون تسوية مستدامة، تقوم على وقف كامل للدعم الخارجي للأطراف المتصارعة، مع توفير ضمانات إقليمية ودولية تحول دون تجدد المواجهات المسلحة مرة أخرى، منوها إلى أهمية انخراط أطراف دولية فاعلة مثل الولايات المتحدة، إلى جانب رعاية عربية أو أفريقية أو أممية.
وشدد «إسماعيل» على أن غياب المكون المدني والقوى السياسية السودانية عن المشهد يمثل أزمة إضافية، متسائلا عن دور الأحزاب والقوى المدنية التي لم يعد لها حضور مؤثر، واعتبر أن إعادة الاعتبار للعمل السياسي والمدني تمثل حجر الزاوية لأي حل حقيقي يعيد السودان إلى مسار الاستقرار وبناء الدولة.
الأمن القومي المصري
وأكد الخبير الاستراتيجي والعسكري سمير فرج، أن السودان يمثل العمق الاستراتيجي الجنوبي لمصر، مشيرا إلى أن الجغرافيا والتاريخ يجعلان من البلدين كيانا واحدا لا يمكن فصله، خاصة أن السودان يُعد الامتداد الطبيعي لمصر في اتجاه منابع نهر النيل.
وأوضح «فرج» في تصريحات صحفية أن مصر والسودان يجمعهما نهر واحد ومصير مشترك، وقد كانا دولة واحدة حتى عام 1952، حين كان الملك فاروق الأول ملكا لمصر والسودان لافتا إلى أن ما شهدته الدولة السودانية خلال العقود الماضية من انقسامات، بداية من انفصال جنوب السودان، وصولا إلى محاولات تفكيك جديدة في إقليم دارفور، يمثل تهديدا مباشرا لوحدة الدولة السودانية واستقرار المنطقة بأكملها.
وأشار إلى أن استقرار الأوضاع في السودان ينعكس بشكل مباشر على الأمن القومي المصري مشددا على أولوية وقف إطلاق النار فورا، خاصة في ظل ما يشهده السودان من أوضاع إنسانية كارثية، حيث يعاني من أكبر موجة مجاعة في القارة الأفريقية، إلى جانب واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية على مستوى النزوح والجوع.
وقف إطلاق النار
وشدد «فرج» على أن الخطوة الأولى لأي حل حقيقي تبدأ بوقف إطلاق النار، يليها إدخال المساعدات الإنسانية العاجلة إلى الأشقاء في السودان، مؤكدا أن الحل العسكري لم ولن يكون سبيلا لإنهاء الأزمة .
وأكد أن التجارب التاريخية تثبت أن النزاعات العسكرية تنتهي دائما على طاولة المفاوضات باتفاق سياسي موضحا أن هناك آمالا كبيرة في أن تسفر الجولة الجديدة من المشاورات التي تستضيفها القاهرة عن نتائج إيجابية، .
ولفت «فرج» إلى أن ما يحدث في السودان سيتم حسمه داخل غرف التفاوض من خلال حوار يهدف إلى الحفاظ على وحدة السودان ومنع تفككه مشددا على أن المجتمع الدولي بأكمله يدعم وحدة السودان، وعلى رأسه الاتحاد الإفريقي، الذي يرفض بشكل قاطع أي محاولات لتجزئة الدول الإفريقية.
وقال: إن “هذا الدعم الدولي يمثل عنصر قوة للمسار السياسي المرتقب، مؤكدا أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد وقفًا شاملًا لإطلاق النار، وإعادة توحيد الدولة السودانية، وتشكيل حكومة جديدة، وتوحيد المؤسسة العسكرية، حتى يعود السودان دولة مستقرة وقادرة على تجاوز أزمته الحالية واستعادة دوره الإقليمي المهم”.
