في الوقت الذي يهاجم فيه ساويرس إيران، تتوسع شركاته في شراكات ضخمة مع الإمارات، أبرزها مشروع رأس الحكمة الذي يعد أحد أكبر المشروعات الاستثمارية في مصر. فقد اقتنص تحالف أوراسكوم للإنشاءات مع شركة تروجان الإماراتية مشروعًا لمحطات تحلية ومعالجة المياه باستثمارات تصل إلى عشرين مليار جنيه، ضمن أعمال البنية التحتية لحي “وادي يم”.
وتعمل "تروجان" بالفعل في السوق المصرية، ما يعكس توسع الشركات الإماراتية في قطاع المقاولات، كما تتولى أوراسكوم تنفيذ مشروع على مساحة خمسين فدانًا داخل المدينة، يضم وحدات سكنية ومكاتب وفندقًا بطاقة سبعين غرفة.
وتلقت شركة مدن القابضة الإماراتية عروضًا من تحالفات مصرية وأجنبية، لكنها تميل إلى الشركات الدولية، ما دفع المقاولين المصريين إلى تكوين تحالفات مع كيانات خليجية لتعزيز فرصهم. ومنذ إطلاق المشروع في أكتوبر 2024 باستثمارات خمسة وثلاثين مليار دولار، تسارعت وتيرة الأعمال، حيث أعلنت الحكومة تسليم ثلاثة عشر ألفًا وثمانمئة فدان، وجارٍ تسليم خمسة آلاف وأربعمئة فدان أخرى، إلى جانب استكمال إجراءات عشرين ألفًا وثمانمئة فدان إضافية.
في ضوء هذه المعطيات، يصبح هجوم ساويرس على إيران جزءًا من مشهد أكبر، حيث تتقاطع مصالحه مع الإمارات في مشروع رأس الحكمة، ومع رغبة أبوظبي في تشكيل اصطفاف إقليمي ضد طهران.
هجوم سياسي بغطاء اقتصادي
يقدّم نجيب ساويرس نفسه دائمًا باعتباره رجلًا صريحًا لا يخشى المواجهة، لكنه في الواقع يتحرك وفق قاعدة ثابتة هي أن المصلحة أولًا، وأن المواقف السياسية ليست سوى أدوات لتثبيت النفوذ الاقتصادي. لذلك لم يكن غريبًا أن يهاجم إيران بضراوة في منشوراته الأخيرة، مؤكدًا أن انتصارها في الحرب سيكون هزيمة للجميع، وأنها دولة معتدية على جيرانها.
وهذا الهجوم لم ينبع من موقف مبدئي، بل من حسابات دقيقة، فساويرس لا يهاجم طرفًا تربطه به مصالح، ولو كانت له استثمارات في إيران لما كتب حرفًا واحدًا ضدها. والدليل أن الرجل نفسه سبق أن هاجم قطر بسبب علاقتها بطهران، ثم ظهر لاحقًا وهو يوقّع عقدًا ضخمًا مع الحكومة العراقية ذات النفوذ الإيراني، عبر شركته “أورا” لبناء مئة وعشرين ألف وحدة سكنية على مساحة واحد وستين مليون متر في بغداد، في أكبر مشروع سكني في العراق.
وهنا يظهر ساويرس الذي يهاجم إيران اليوم هو نفسه الذي وقّع عقودًا مع حكومة عراقية موالية لها، وهو نفسه الذي يهاجم تدخل الجيش في الاقتصاد بينما تتربح شركاته من مشروعات تشرف عليها الهيئة الهندسية.
هذا التناقض يكشف أن ساويرس لا يتحرك وفق مبدأ سياسي، بل وفق اتجاه الريح الذي يخدم مصالحه.
ثروة تتراجع وقنابل دخان تتصاعد
لذلك فإن اتهام ساويرس بأنه “صوت إيران” ليس نقدًا موضوعيًا، بل رد فعل غاضب من خصومه الذين يرون في مواقفه المتقلبة انعكاسًا لشخصية رجل أعمال يدور حيث دارت مصلحته، ويطلق قنابل دخان حين يحتاج إلى إخفاء اتجاهه الحقيقي.
ومنذ بداية الحرب على إيران، تراجعت ثروة ساويرس من أحد عشر فاصل ثمانية مليار دولار إلى عشرة مليارات فقط، بخسارة بلغت مليارًا ونصف المليار بسبب انخفاض الذهب.
هذا التراجع المالي ترافق مع تصاعد في خطابه السياسي، وكأن الرجل يحاول تعويض خسائره الاقتصادية بحضور إعلامي صاخب مثل قرعه على المطبل مصطفى بكري ليسمع صوته لمن شاركهم في رأس الحكمة ونقل إليهم رءوس أمواله.
ونقل عنه قوله إن عدم سقوط النظام الإيراني يعد هزيمة للجميع، وهو تصريح يعكس رغبة في الاصطفاف مع المزاج الإقليمي السائد، لا سيما في ظل التوتر المتصاعد بين إيران ودول الخليج، وفي ظل حاجة ساويرس إلى الحفاظ على علاقاته الاستثمارية مع الإمارات التي أصبحت شريكًا رئيسيًا في مشروعاته داخل مصر.
نجيب ساويرس في صدارة المشهد السياسي والإعلامي بعد هجومه الحاد على مصطفى بكري، الذي وصف إيران بأنها لاعب إقليمي يحقق التوازن. ساويرس رد بحدة قائلاً إن الموضوع لا يحتمل هذا التبرير، وإنه لا يمكن الحديث عن توازن مع دولة تعتدي على جيرانها وأشقائنا.
الاشتباك اللفظي لم يكن مجرد خلاف إعلامي، بل جاء في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تتصاعد التوترات بين السعودية والإمارات حول الموقف من إيران، وتتسع دائرة الخلاف لتشمل مصر نفسها، ساويرس ليس فقط كرجل أعمال يهاجم إيران تضامنًا مع “الأشقاء”، بل كشريك اقتصادي رئيسي في مشروع رأس الحكمة الذي تقوده الإمارات باستثمارات ضخمة.
مهاجمة الجيش ومراكمة الأرباح عبر مشروعاته
عاد رجل الأعمال نجيب ساويرس إلى دائرة الجدل بعد تصريحاته قبل عام وتحديدا في مايو 2025 خلال مقابلة صحفية في جامعة هارفارد، حين قال إن الجيش يجب أن يخرج من الاقتصاد لأنه يخيف المستثمرين، وإن وظيفته ليست ممارسة البيزنس ولا دفع الضرائب والجمارك. هذا التصريح لم يكن الأول من نوعه، فقد كرر ساويرس الموقف نفسه قبل أربعة أعوام، رغم أن أعماله في ذلك الوقت كانت تتوسع مع المؤسسة العسكرية عبر شركة أوراسكوم للإنشاءات التي كان يمتلك فيها نسبة خمسة فاصل ثمانية في المئة قبل أن يبيعها لشقيقه ناصف ساويرس في نهاية عام 2024. المفارقة أن الرجل الذي يهاجم تدخل الجيش في الاقتصاد كان في الوقت نفسه أحد أكبر المستفيدين من مشروعاته.
وقبل بيع حصته، حققت أوراسكوم للإنشاءات إيرادات بلغت ثلاثة مليارات ومئتين وخمسين مليون دولار، وأرباحًا قبل خصم الضرائب بلغت مئة وثمانية وخمسين مليون دولار، وفق التقارير المالية للشركة. وبين عامي 2020 و2024، حققت الشركة أرباحًا صافية بلغت ثلاثمئة واثنين وأربعين مليون دولار، أي ما يعادل سبعة عشر مليار جنيه، نصفها تقريبًا من مشروعات داخل مصر. وبعد خروج نجيب من الشركة، أصبحت ملكيتها موزعة بين ناصف ساويرس بنسبة اثنين وأربعين فاصل ستة وثلاثين في المئة، وسميح ساويرس بنسبة اثني عشر فاصل خمسة في المئة، ما يعكس استمرار سيطرة العائلة على الشركة رغم مغادرة نجيب.
شراكات ممتدة مع الجيش رغم الانتقادات
منذ استيلاء السيسي على الحكم عام 2014، شاركت أوراسكوم في عدد كبير من المشروعات التي تشرف عليها الهيئة الهندسية للقوات المسلحة أو تعود ملكيتها مباشرة للجيش. من أبرز هذه المشروعات أنفاق بورسعيد التي تضم نفقين للسيارات ونفقًا للسكك الحديدية بتكلفة بلغت أربعة مليارات ومئتي مليون دولار، إضافة إلى مشروع المتحف المصري الكبير الذي تتجاوز تكلفته مليار دولار وتشرف عليه الهيئة الهندسية. يمتد المشروع على مساحة مئة وسبعة عشر فدانًا، بمساحة مبنية تبلغ مئة وسبعة وستين ألف متر مربع موزعة بين صالات العرض ومركز المؤتمرات والمناطق التجارية والترفيهية.
العاصمة الإدارية.. سبعة مشروعات ضخمة
في العاصمة الإدارية الجديدة، التي يمتلك الجيش واحدًا وخمسين في المئة من أسهمها، حصلت أوراسكوم على سبعة مشروعات كبرى، بينها مبنى مجلس الوزراء الجديد وكاتدرائية ميلاد المسيح ودار الأوبرا والمركز الثقافي وفندق الماسة ونادي الصيد الدولي والبنك المركزي المصري، إضافة إلى عقدة الشبكة واحد. كما شاركت الشركة في محطة توليد الكهرباء بالعاصمة بقدرة أربعة آلاف وثمانمئة ميجاوات بالشراكة مع شركة سيمنس الألمانية، وهو أحد أكبر مشروعات الطاقة في مصر.
العلمين الجديدة.. أربعة عقود إضافية
في مدينة العلمين الجديدة، التي تتولى القوات المسلحة ملكيتها وإدارتها، حصلت أوراسكوم على أربعة مشروعات كبرى، بينها أبراج العلمين وفندق الماسة والمرحلة الأولى من المدينة ومحطة معالجة مياه الصرف الصحي. هذه المشروعات تعكس حجم النفوذ الذي تمتعت به الشركة داخل المشروعات القومية التي يشرف عليها الجيش.
محاولة دخول شلاتين
في عام 2020، حاول ساويرس الحصول على واحد وخمسين في المئة من شركة شلاتين للثروة المعدنية، وهي شركة تمتلك القوات المسلحة أربعة وثلاثين في المئة من أسهمها، لكن المفاوضات توقفت بعد عامين دون اتفاق نهائي. ورغم ذلك، تكشف المحاولة عن رغبة ساويرس في التوسع داخل قطاع التعدين الذي يسيطر عليه الجيش.
مشروعات حكومية موازية تعزز نفوذ أوراسكوم
إلى جانب مشروعات الجيش، شاركت أوراسكوم في مشروعات حكومية ضخمة مثل المونوريل ومترو القاهرة ومحطة كهرباء البرلس ومحطة كهرباء أسيوط ومحطة معالجة أبي رواش ومزرعة رياح رأس غارب ومحطة كهرباء غرب دمياط ومنشأة سوميد البحرية ومصنع كيما أسوان ومراكز البيانات بالعاصمة الإدارية. هذه المشروعات تؤكد أن أوراسكوم كانت لاعبًا رئيسيًا في البنية التحتية المصرية خلال العقد الأخير، وأن ساويرس كان جزءًا من شبكة مصالح واسعة رغم انتقاداته العلنية للجيش.