افتتح مصطفى مدبولي رئيس مجلس وزراء الانقلاب الخميس 31 أغسطس 2023م، معبد “بن عزرا”، أحد أقدم المعابد اليهودية في مصر، بعد الانتهاء من أعمال ترميمه، وسط إشادة واسعة من الصحف العبرية بالخطوة المصرية. وتكلفت عمليات الترميم نحو 80 مليون دولار (2.5 مليار جنيه بسعر صرف الدولار اليوم (30.90)، وكان وزير الآثار السابق خالد العناني، قد أعلن في 9 ديسمبر 2018، أن السيسي خصص ملياراً و270 مليون جنيه (أي ما يعادل 80 مليون دولار آنذاك) من موازنة الدولة لترميم التراث اليهودي، بدعوى أنه جزء من التراث المصري، شأنه في ذلك شأن التراث الفرعوني والروماني والإسلامي والقبطي.
وخلال مراسم الافتتاح، صرّح وزير السياحة والآثار بحكومة الانقلاب أحمد عيسى، بأن “مشروع ترميم المعبد اليهودي تضمن أعمال الترميم المعماري الدقيق، ومعالجة ودرء الخطورة لأسقف المعبد، وعزل الأسطح، وتنظيف الأحجار ومعالجتها، وإعادة تنسيق الموقع بالشكل الملائم الذي يتيح الرؤية البصرية للأثر”. وأشار إلى صيانة منظومة الإضاءة بالكامل، وتنظيف الوحدات النحاسية والحديدية وأعمدة الرخام، بالإضافة إلى ترميم الزخارف الأثرية والمكتبة، لافتاً إلى أنّ المعبد كان يضم العديد من نفائس الكتب المرتبطة بعادات اليهود وتقاليدهم، وحياتهم الاجتماعية في مصر. وأضاف الوزير أن المعبد يضمّ “الجنيزا” الخاصة باليهود في مصر، وهي مجموعة من الكتب واللفائف والأوراق الخاصة بهم، وتمثل أهمية لدى الدارسين والباحثين المهتمين بالحياة الاجتماعية لليهود في مصر.
ورغم الأزمة المالية الطاحنة وشح الدولار وتضاعف معدلات الفقر في مصر، إلا جنرال الانقلاب عبدالفتاح السيسي يولي اهتماما خاصة بترميم المعابد اليهودية رغم عدم إقامة الشعائر بها لعدم وجود نصاب قانوني من الجالية اليهودية يكفي لإقامة الصلاة فيه؛ فعدد الجالية اليهودية في مصر كلها ست نساء فقط! وليست هذه المرة الأولى التي يهدر السيسي فيها عشرات الملايين من الدولارات على ترميم كنيس يهودي؛ فقد أنفق سنة 2020م، نحو 100 مليون جنيه على ترميم معبد يهودي بالإسكندرية (معبد إلياهو هانبي في شارع النبي دانيال بوسط الإسكندرية)، رغم أن المعبد لا تقام فيه الصلاة أيضا.
معنى ذلك أن السيسي أنفق نحو “5.5 مليار جنيه” (180 مليون دولار × 31 ج = 5.58 مليار ج بالسعر الرسمي وتصل إلى 7 مليارات جنيه بسعر السوق الموازية للدولار)، على ترميم المعبدين اليهوديين رغم عدم إقامة الصلاة بهما لعدم اكتمال النصاب القانوني وفق شريعة اليهود.
الرقم المهول في عملية الترميم يثير كثيرا من الشبهات؛ لأن بناء المعبدين من الأساس في التوقيت الحالي لا يصل إلى هذه الكلفة العالية؛ فلماذا يتم إهدار كل هذه الأموال على عملية ترميم فقط؟! وهل هناك جهات رقابية على إنفاق هذه الأموال؟ وما مدى وحجم الفساد الذي شاب عملية الترميم المشبوهة التي تشرف عليها شركات تابعة للجيش؟!
إشادة إسرائيلية
من جانبها، أشادت وسائل إعلام عبرية، بترميم المعبد.وقالت القناة “7” العبرية، وهي قناة ناطقة بلسان اليهود المتشددين في إسرائيل، إن مصر رممت وأعادت تكريس المعبد اليهودي الأشهر في البلاد، والذي كان يصلي فيه الرمبام إبراهام بن عزرا. فيما قالت صحيفة “يسرائيل هيوم” العبرية، إن أعمال ترميم المعبد اليهودي الشهير في القاهرة استغرقت عدة أشهر، وانتهت بحفل تدشينه بعد ترميمه. ولفتت القناة العبرية إلى أن كنيس “بن عزرا” أحد المعابد اليهودية الأكثر خصوصية وأهمية في التاريخ والبحث اليهودي. وأضافت: “تعود الأدلة على شراء أرضه لغرض إنشائه إلى القرن التاسع، وقد سبق أن استخدمه الشتات الإسرائيلي في المنطقة العربية في بداية الألفية السابقة، ومن أشهر المصلين الذين اعتادوا التردد عليه على مر السنين هو الرمبام، ولذلك يطلق عليه أحيانًا كنيس رمبام”.
ويُنسب المعبد إلى إبراهام بن عزرا، في القرن الثاني عشر الميلادي، وأُعيد بناؤه في القرن التاسع عشر. وتخطيطه عبارة عن مستطيل مساحته حوالى 3500 متر، وهو ذو واجهات خالية من الزخارف، ومن الداخل يتبع الطراز البازيليكي، حيث ينقسم بواسطة بائكتين إلى ثلاثة أروقة متوازية، أوسطها أكثرها اتساعاً. وبالرواق الأوسط توجد منصتان، تعرف الأولى باسم “أطلس المعجزة”، أمّا الثانية فهي منصة الصلاة “البيما”. وبالطابق الثاني توجد شرفة صلاة السيدات، وتشغل ثلاثة أضلاع، وبطرفيها حجرتان للمقتنيات والجنيزا، ويوجد خلف المعبد بئر للطهارة للوضوء بمائه قبل الدخول إلى المعبد.
هادم المآذن
ويطلق على جنرال الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي لقب “هادم المآذن”، وذلك بسبب تدنيسه المستمر لبيوت الله بالهدم والاقتحام وعدم الاحترام وإهانة الأئمة والعلماء والدعاة إلى الله. وفي 2020 شن السيسي حملة شعواء على المساجد وشوهدت لوادر الجيش وهي تهدم عشرات المساجد والمآذن بمحور ترعة المحمودية التي تربط بين محافظتي البحيرة والإسكندرية؛ بدعوى أنها بنيت بالمخالفة للقانون؛ رغم أن السيسي نفسه سن القانون رقم 80 لسنة 2016، وتشكيل لجنة رئيسية لتقنين أوضاع الكنائس والتي تم تشكيلها في يناير 2017، برئاسة رئيس مجلس الوزراء، وعضوية 6 وزراء، هم: الدفاع والإنتاج الحربي، الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، التنمية المحلية، الشؤون القانونية ومجلس النواب، العدل، والآثار، وممثل عن الطائفة المعنية، بالإضافة إلى ممثلين عن جهات سيادية، كل ذلك بهدف استرضاء الكنيسة والتظاهر أمام الغرب بأن مصر تشهد تسامحا دينيا غير مسبوق، وجرى بالفعل تقنين أكثر من ألفي كنيسة ومبنى مخالف تابع للكنائس. فلماذا لم يتم التعامل مع المساجد المخالفة كما يجري مع الكنائس المخالفة؟ لماذا تهدم المساجد وتقنن الكنائس؟ لماذا هذا الاضطهاد الديني ضد المسلمين في بلد يفترض أنه مسلم وينص دستوره على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع؟! هذه الازدواجية من النظام تجاه دور العبادة لا تتوقف عند تقنين الكنائس وهدم المساجد في مشهد عنصري بالغ الإساءة للإسلام والمسلمين بل يمتد إلى التعامل بشكل عام؛ فبينما يستبيح السيسي وأجهزته الأمنية المساجد ولا يرى لها ولا لأئمتها حرمة ويسمح لأجهزته الأمنية باقتحامها متى شاءت وكيف شاءت، فإنه شديد التبجيل والاحترام لدور العبادة الخاصة بالأقباط واليهود. وحتى اليوم لا تقدر أجهزة السيسي الأمنية على هدم كنيسة واحدة حتى لو كانت مخالفة أو اقتحامها ولا تستطيع أن تتدخل في شئونها ولا تفرض على القائمين عليها من الرهبان والقساوسة خطابا معينها أو تمنع نشاطا من أنشطتها بخلاف الحصار الصارم على المساجد، فقد جرى تأميم المساجد لحساب وزارة الأوقاف الحكومية التي يشرف الأمن الوطني عليها من الألف إلى الياء، وباقي المساجد الأهلية لا يتولى الإمامة فيها إلا أشخاص معرفون بولائهم للنظام، يسبحون بحمده مهما بلغ شذوذه أو انحرافه.