بعد واقعة تعذيب قسم السنبلاوين .. “محافظ الدقهلية” بين إرث “الإشراف على السجون” ومأساة مقار الاحتجاز

- ‎فيحريات

تشهد محافظة الدقهلية تصاعداً في التقارير الحقوقية التي توثق انتهاكات جسيمة داخل مقار الاحتجاز، وهي التقارير التي تكتسب دلالة إضافية بالنظر إلى الخلفية المهنية لمحافظها الحالي، اللواء طارق مرزوق، فالمحافظ، الذي شغل سابقاً منصب مساعد وزير الداخلية لقطاع مصلحة السجون، انتقل من الإشراف المباشر على منظومة السجون المصرية—التي واجهت انتقادات دولية واسعة بسبب سياسات التعذيب والإهمال الطبي—ليتولى إدارة إحدى أكبر محافظات الدلتا، في خطوة وصفتها منصات حقوقية بأنها "مكافأة" بدلاً من المساءلة عن إرث من الانتهاكات الموثقة خلال فترة إشرافه الأمنية.

 

وفي سياق متصل، كشفت منصة "جوار" الحقوقية عن تفاصيل مروعة لما يحدث داخل مقر أمن الدولة بمدينة السنبلاوين، حيث تدار منظومة تعذيب تهدف لسلب إرادة المحتجزين واستنزاف قواهم، ويوثق التقرير إجبار المعتقلين على البقاء تحت "الغمامة السوداء" على مدار الساعة، وتقييدهم في كراسي حديدية لمدد تتجاوز 16 ساعة متواصلة، مما يؤدي لتهتك الأعصاب وتكسر الظهر، في بيئة يمنع فيها المحتجز من الطعام إلا بإذن مباشر من الضابط المسؤول "محمود الجمل" ومعاونه "هشام محمد"، وتكتمل فصول التنكيل عبر الضرب المبرح والصعق بالكهرباء والتجريد القسري من الملابس، وهي ممارسات ينفذها المخبرون "محمد المكاوي وباسم ورمضان" بحق كل من يطالب بأدنى حقوقه الآدمية.

 

وتزداد المفارقة حدة مع إعلان المحافظ طارق مرزوق مؤخراً عن بناء قسم شرطة جديد في مدينة المنصورة، وهو الإعلان الذي استقبله مراقبون حقوقيون بحذر شديد، معتبرين أن التوسع في البنية التحتية الأمنية لا يعني بالضرورة تحسين حالة حقوق الإنسان طالما ظلت "العقيدة القمعية" هي الحاكمة، فالحوادث المتتالية التي شهدتها المحافظة، بدءاً من مأساة "أيمن صبري" في بلقاس وصولاً إلى انتهاكات مقر السنبلاوين، تشير إلى أن جدران المقار الجديدة قد لا تختلف في جوهرها عن سابقاتها إذا لم يرافقها تغيير جذري في سياسات المحاسبة ووقف التعذيب الممنهج.

وقالت "جوار": إنها "وثقت هذه الفظائع بقسم السنبلاوين ووضعت الأسماء المتورطة في هذه السلخانة أمام الرأي العام، لنؤكد أن سياسة التعذيب الممنهج داخل مقر السنبلاوين هي جريمة ضد الإنسانية، لن يسدل عليها الستار، طالما بقيت جدران هذا المقر شاهدة على أنات المظلومين وقهرهم".

ولسنوات، وقف لواء طارق مرزوق خلف سياسة التعذيب الوحشي في السجون المصرية كأكبر مسؤول حكومي مكلف بالإشراف على السجون. وبدلاً من محاسبته، كافأه السيسي وجعله محافظ الدقهلية، فأعلن طارق مرزوق العتيد في التعذيب والتنكيل بخلق الله خبر بناء قسم جديد في المنصورة.

إلا أنه في 12 ديسمبر 2025 ، ضبطت الأجهزة الأمنية واقعة هزت الدقهلية بعد ضباط سائق طارق مرزوق بحوزته مخدرات بقيمة 3مليون جنيه، وهي واقعة أثارت ضجة واسعة في الأوساط المصرية نهاية عام 2025.

وفقاً لما تم تداوله في التقارير الإعلامية وقناة "الشمس" في ذلك الوقت، فقد قُدرت القيمة المالية للمواد المخدرة المضبوطة بنحو 3 ملايين جنيه، وهو ما جعل القضية تتحول إلى قضية رأي عام نظراً للحساسية الوظيفية للمتهم وقربه من دوائر صنع القرار بالمحافظة.

أيمن صبري بلقاس

وكانت مدينة بلقاس بمحافظة الدقهلية قد شهدت في يوليو 2025 حالة من الغليان الشعبي عقب وفاة الشاب أيمن صبري داخل مركز الشرطة، حيث أفادت تقارير حقوقية وشهادات للأهالي تعرضه لتعذيب جسدي وصعق بالكهرباء أثناء استجوابه، مما أدى لوفاته متأثراً بإصاباته.

وأثارت هذه الواقعة احتجاجات واسعة جابت شوارع المدينة، ردد خلالها المتظاهرون هتافات سياسية حادة طالبت بإسقاط النظام والقصاص الفوري، وتطورت الأحداث إلى مناوشات مع قوات الأمن التي حاولت تفريق المسيرات بالغاز المسيل للدموع والاعتقالات، مما حول القضية من واقعة جنائية إلى صرخة احتجاجية تصدرت المنصات الدولية والمحلية.

 

وعلى الصعيد الحقوقي، وثقت منظمات مثل "مركز الشهاب" و"المفوضية المصرية للحقوق والحريات" هذه الحادثة كدليل على استمرار سياسة الإفلات من العقاب داخل مقار الاحتجاز المحلية، رغم الوعود الرسمية بالإصلاح.

وفي حين حاولت الرواية الأمنية الأولية إرجاع الوفاة لأسباب طبيعية، إلا أن ضغط الشارع وتداول صور الإصابات الظاهرة على جسد الضحية دفع السلطات لفتح تحقيقات لامتصاص الاحتقان، مما كشف عن فجوة عميقة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني في أقسام الشرطة خلال عام 2025، وجعل من "أيقونة بلقاس" رمزاً جديداً للمطالبة بالكرامة الإنسانية وإصلاح المنظومة الأمنية.

https://www.facebook.com/Officers4revolution/videos/1419926642457984/

ومن اللفتات التي أشار إليها ناشطون أن الواقعة المشار إليها في السنبلاوين، تزامنت بين تعيين رئيس مباحث جديد لمركز شرطة السنبلاوين الرائد أحمد الأعوج، وانتقال رئيس المباحث السابق المقدم  إسلام عنان إلى مكان آخر.

وقائع سابقة موثقة في قسم السنبلاوين

 

رصدت منظمات مثل مركز الشهاب لحقوق الإنسان والشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان (قبل إغلاقها) وقائع تعود لسنوات سابقة في قسم السنبلاوين، منها ما يتعلق بوفاة محتجزين أو تعرضهم لإصابات بالغة، أحد أبرز الأنماط المرصودة هو استخدام العنف لانتزاع اعترافات في قضايا جنائية، أو التعنت في تقديم الرعاية الطبية للمحتجزين داخل غرف الحجز المكدسة، وفي بعض الحالات، وثقت تقارير حقوقية استغاثات من ذوي معتقلين سياسيين حول تعرض ذويهم للضرب أو الحرمان من الزيارة داخل هذا القسم تحديداً، مما جعله ضمن قائمة المقار الأمنية التي تكررت حيالها الشكاوى الحقوقية في منطقة الدلتا.

"قسم شرطة السلام" (يناير 2022)

 

وتعد واقعة تسريبات قسم شرطة السلام من المحطات الحقوقية البارزة التي أثارت ضجة دولية واسعة، حيث بدأت القصة حين نشرت صحيفة "الجارديان" البريطانية مقاطع فيديو مسربة من داخل القسم تظهر محتجزين في وضعيات مهينة وقاسية، شملت تعليق بعضهم من أذرعهم خلف ظهورهم فيما يعرف بـ "وضعية الشبح"، مع وجود آثار دماء وإصابات واضحة على أجسادهم. وقد تضمنت المقاطع استغاثات مباشرة من السجناء يطالبون فيها بإنقاذهم وتوثيق ما يتعرضون له من ضرب ممنهج، مع ذكر أسماء ضباط محددين اتهموهم بالمسؤولية عن هذه الانتهاكات، مما دفع منظمات دولية مثل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش لإصدار بيانات تدين الواقعة وتعتبرها دليلاً مادياً نادراً على ممارسات التعذيب داخل مقار الاحتجاز.

 

وفي المقابل، جاء الرد الرسمي المصري في البداية نافياً لصحة هذه المقاطع، حيث وصفتها وزارة الداخلية بأنها فيديوهات "مفبركة" تهدف لنشر أخبار كاذبة وإثارة الفتنة وتشويه صورة مؤسسات الدولة. ولاحقاً، أصدرت النيابة العامة بياناً أكدت فيه أنها باشرت التحقيق في الواقعة، لكنها خلصت إلى رواية مغايرة تشير إلى أن المحتجزين هم من أحدثوا الإصابات بأنفسهم عمداً واتفقوا على تصوير المقاطع باستخدام هاتف مهرب من أجل التحريض ضد ضباط القسم والضغط على سلطات التحقيق، مما أدى في النهاية إلى توجيه اتهامات قانونية للمحتجزين الذين ظهروا في الفيديو بدلاً من محاسبة أفراد الشرطة.

https://www.facebook.com/AJA.Egypt/videos/1883852291817671/

وتشير التقارير الصادرة عن منظمات مثل لجنة العدالة (Committee for Justice) ومنصة نحن نسجل إلى استمرارية بعض الأنماط القمعية في أقسام الشرطة المصرية بشكل عام، لم تعد الوقائع تقتصر على التعذيب الجسدي المباشر فحسب، بل امتدت لتشمل "الإهمال الطبي المتعمد" كأداة للضغط، وتكدس المحتجزين في غرف تفتقر للتهوية الكافية، وهو ما يؤدي أحياناً إلى حالات وفاة يصفها الحقوقيون بـ "القتل غير المباشر"، وتؤكد التقارير أن غياب الرقابة القضائية المستقلة على غرف الحجز في الأقسام يساهم في إفلات الجناة من العقاب واستمرار هذه الممارسات ضد المحتجزين على ذمة قضايا الرأي أو القضايا الجنائية البسيطة.

وسجلت تقارير مطلع عام 2026 زيادة في استخدام مقار احتجاز غير رسمية أو غرف تابعة لأقسام الشرطة لإخفاء المواطنين قسرياً لفترات قصيرة قبل عرضهم على النيابة، وهي الفترة التي تشهد عادةً أبشع أنواع الانتهاكات الجسدية لانتزاع معلومات، وتذكر المفوضية المصرية للحقوق والحريات أن بعض الحالات المرصودة مؤخراً تعرضت لصعق بالكهرباء أو الضرب المبرح بآلات حادة داخل أقسام في محافظات الدقهلية والشرقية والقاهرة، مع استمرار سياسة "التدوير" التي تمنع المحتجزين من الخروج حتى بعد انتهاء فترة عقوبتهم، مما يجعل القسم محطة انتقالية دائمة للانتهاك وليس مجرد مكان للاحتجاز المؤقت.

 

وتستمر المنظمات الدولية مثل منظمة العفو الدولية في تسليط الضوء على هذه الوقائع عبر نداءات عاجلة، مؤكدة أن الوعود الحكومية بتحسين مراكز التأهيل لم تنعكس على ممارسات ضباط المباحث داخل أقسام الشرطة المحلية، وتطالب هذه الجهات بضرورة السماح للمقررين الأمويين بزيارة هذه الأقسام، بما فيها قسم السنبلاوين وغيره من الأقسام التي تكررت حولها التقارير السلبية، لضمان مواءمة ظروف الاحتجاز مع "اتفاقية مناهضة التعذيب" التي وقعت عليها مصر، وضمان محاسبة المتورطين في جرائم الاعتداء الجسدي على المواطنين.